زهر الأفانين في الجواب

 عن الأسئلة الثلاثين 

 

لخديم الحضرة الأحمدية عبد ربه أحمد سكيرج أمّنه الله

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

.لسم الله الرحمان الرحيم                  وصلى الله على الفاتح الخاتم سيدنا محمد وآله

 

بمفتاح حمد الله أستفتح مغلق أبواب خزائن الفضل ، فأستخرج أنفس النفائس بما يطمئن القلب به في علمي الظاهر والباطن من فرع واصل ، ونستنتج من ذلك قبول الحق في الخلق ، فأعرف الخلق بالحق والحق بالخلق :ـ

وفي كل شيء له آية     تدل على أنه الواحد

وأكون من حزب من علم العلم وعلّمه وسئل عنه فما كتمه لا أحرمنا الله من العمل بالعلم ، راجلين في رداء رضائه الأتم بجاه الواسطة الأعظم سيدنا ومولانا محمد بن عبد الله المكرّم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ومجّد وعظّم ، وبعد فإن الحق سبحانه وتعالى اقتضت حكمته الباهرة في العوالم الباطنة والظاهرة أن أبرز المكونات في مظاهرها ، على وفق ما في العلم مرتبطة فيما بينها بشعور وغير  شعور ، على حسب ما قدّر من المواهب اللدنية والفتوحات الربانية وما طلبته حقائقها في عالم الغيب ، حتى تجلت في صورة الهيكل الذي انحبست فيه أرواحها وابتهجت به ثم انقبضت بما انحجبت عنها به في حضرة قربه ، فكان انقباضها عين انبساطها عند العارفين الغارفين من عين الرحمة الربانية في حضرة شهوده وحضرة غيبه ، حيث كان لديهم الباطن عين الظاهر والظاهر عين الباطن حسب الاعتراف به يوم ألست بربكم ، فاعترف معهم بربوبية الحق كل من سمع النداء ولا شيء إلا وهو معترف به قبل الظهور في الوجود والوجود في الشهود ، فبرزت الأشياء ببديع الحكمة شيئا فشيئا مع تعرفه لمن شاء حسب ما اقتضاه فضله وعدله وكل شيء بقضاء وقدر ، فكان هذا الوجود فيما مضى والحال والمستقبل مرآة لصور الكائنات طبق تقابلها في عالم الأرواح ، فما تعارف هناك ائتلف فيه وما تناكر منها اختلف في مجاليه ، ولم يمكن بتدبير الحكمة أن يكون المتقدم متأخرا أو العكس ، كما لا يمكن في عالم الحس أن يكون مقتضى الوحشة هو نفس مقتضى الأنس في الثقلين الجن والإنس ، أما من ارتقى لحضرة القدس واستوى عنده في جانب القدرة عالم المعنى وعالم الحس، وعرف ما يكون مما كان وليس عنده في الإمكان أبدع مما كان ، فاتخذ لنفسه في حضرات شهوده من نفسه أنيسا ومن كل شيء في روضات الأنس بالله معه جليسا ، فكان عارفا بالله غارفا من مدد مولانا رسول الله r ما تاه به على الكون وثمل به في بساط الشكر بين ذوي الانبساط بالسكر ، وكل من لم يدخل لهذا المغنى لم يذق كأس هذا المعنى قصر باعه فباع ما يبني بما يبنى ، لا يقربه قرار وهو عند من يقربه في نفسه مختار بل محتار ، ومنهم      الثانية في السر والعلانية يمدح بالحيرة بقدر ما يذم بها الوسط ، والوسط يلغى لدى إنتاج السر الذي صاحبه فيه يغتبط ، فإن أريد به خيرا فقّه في الدين وتمسك في انقياده بالحبل المتين فصار من الذين تمكنوا في مكانة هذا الدين ، ألا وإن دين الله يسر ولن يشاد أحد هذا الدين إلا غلبه ، ولقد جاء الرسول r وهو المرشد الأكبر بالطريقة المثلى التي لا يزيغ عنها إلا هالك ، وهي الحنيفية السمحة ليلها كنهارها فلا أوضح منها منهاج وكل ما خرج عنها فهو في غاية الاعوجاج ، فنسأل الله أن يسلك بنا فيها طبق ما فيه رضاه :ـ

آمين يا ربنا آمين آمينا     فنحن للحق لا نزال آمّينا

ولما كان الحق واحد والمقصود منه واحد :ـ

والطرق شتى ونهج الحق واحدة     والسالكون طريق الحق آحاد

وقد علم كل أناس مشربهم في كل طريقة وكل مجاز بعلاقة الشريعة موصل لعين الحقيقة ، ولم يكن من الممكن لكل أحد أن يسلك بنفسه بلا دليل في كل سبيل ، أمر الحق بالدعاية إليه أهل التوفيق العارفين بمهاوي الطريق ، ليرشدوا خلقه إليه بداعية الأمرالخاص المنسحب ذيله للخواص، قائلا سبحانه لمن رفع مكانه لأعلى مكانة ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة ) ، فهو السبيل في الحقيقة الموصل إلى ربه أمر بالدعاء إليه في إتباعه ليصلوا إلى حضرة قربه ، بمقتضى ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني ) ، فقد دلّ على الله بمتابعته ومن دلّ على الله كان ناصحا ولا أنصح من هذا الرسول u ، وتحمّل من جفاء قومه ما الله يعلمه وهو يقول << اغفر لهم فإنهم لا يعلمون >> ، وقد اقتدى به في النصح وتحمّل الأذى نوّابه الذين هم في الحقيقة أولوا الأمر ، فقاموا بإرشاد الخلق للحق طبق ما صدر به لهم الأمر، والخلق مأمورون بطاعتهم في السر والجهر بمقتضى ما عمّ العوام والخواص من قول الحق (أطيعوا الله والرسول وأولي الأمر منكم ) ، فإذعان المأمورين بالطاعة وهم في المنزلة الرابعة إذعان للثلاثة قبلهم ، وقد قرّبهم الحق إليه برفعتهم في الكناية عليهم بضمير الرفع ، وقد شرّّف سبحانه رسوله u وأولي الأمر بعطفها عليه فنصبها للدلالة على طاعته بفعل طاعة المكرر ، كما تنزّل سبحانه مع المخاطبين بنصب جلالته للدلالة عليها بطاعته ، وجعل بفضله هؤلاء المخاطبين في كنف القرب منه فرفع شأنهم حيث ذكرهم بضمير الرفع ، فكانوا مرفوعين بفعل الطاعة من قوله ( أطيعوا الله ) وهذه الرتبة الشريفة كافية وحدها للتنويه بشأنهم لو يعقلون ، ولو كانوا يعقلون لكفتهم في النهوض لطاعته ولأطاعوه على الدوام والاستمرار بطاعته المطلوبة منهم في حقه، وحق من نصبهم للدلالة عليه وهم من أنفس أنفسهم وأعزّهم الرسول العزيز عليه عنتهم ، وتعنت من جباه منهم بتعلي مولانا الذي تنزّل لعباده في تبيان طرق رشاده ، والهداية بيده فهي منه وإليه وتنزّه في خلقه بما هي الآن عليه وفق العلم ، فلم يخرجوا عن دائرة إرادته فمنهم شقي وسعيد : ـ

لولا العناية كان الأمر فيه على      حد السواء فذو نطق كذي بكم

ولما كانت أنواع الطاعات الموصلة إليه كثيرة وأنوار حضرة القربات الدالة عليه متيسّرة غير عسيرة ، بعد الفرائض المأمور بها العبد اختار العارفون بالله من النوافل للقربة منه ما قرّت به أعينهم من أذكار وصلوات وغير ذلك من العبادات ، ما انتفعوا به في خاصة أنفسهم ونفعوا به غيرهم ممن له فيهم اعتقاد ، فنالوا بالإذن لهم في تلك النوافل الذكرى فكانت المزية لهم على من لم يعمل بعملهم في الدنيا والأخرى ، بما حصل لهم من المبشّرات التي تمت بها البشرى فلهم بذلك الحسنى وزيادة ، لتعلقهم بحبل الإيمان ودخولهم لحضرة الإحسان ، فأنتجت لهم الاستقامة أعظم كرامة ولم يحصل على ما حصلوا عليه إلا من حسّن الله ظنه فيهم ، ولا ينكر عليهم إلا من لا إطلاع له على ما وراء دائرة العقل من الفضل الذي يغرف منه المؤمنون بالغيب ، ولا يستبعد الانتفاع بمثل هذا إلا من رضي عن نفسه بالطعن في أبناء جنسه ، وممن أظهره الله في عصره وتوّجه بتاج القبول فانتفع على يده مريده بين المتزاحمين للدخول في حضرات الوصول ، شيخ طريقتنا المحمدية الختم الأكبر أبو العباس التجاني t وأرضاه وعنا به ، وجاء على الطريقة المثلى يدعو للحق فمن ظفر بالإذن منه في أورادها ظفر بالإكسير الذي يقلب الأعيان ويحصل به الاطمئنان ، ويكشف على القلوب الران حتى يتمكن به المريد في مكان مكين من مقامات اليقين والإحسان ، ولقد ثقل على كثير من المستخفين بمقدار كرامات أهل الله حمل أسرار هذه الطريقة الأحمدية ، فصعب عليهم رد أنفسهم للحق لمّا ظهر لهم نورها فراموا إطفاءها فأبى الله إلا أن يتم نورها ولو كرهوا ، ويا ليتهم فقهوا فما سفهوا ولا سفّهوا ولو وفّقهم الحق لسّلموا ليسلموا ، ولاحترموا الجناب الذي من خيره حرموا وعلى الأقل سألوا عمّا لم يفهموا ، ولكن رضوا عن أنفسهم فوقفوا مع ما علموا ويا ليتهم عملوا بما علموا وأعلموا ، أعلموا بعض المسائل فظنوا أنهم حصّلوا جميع الفضائل بما ليس تحته من طائل ، أما من أكرمه الله بسلامة الصدر فإنه يضم إلى علمه ما عند الغير فيعظم لديه الخير ويستفيد ويفيد ، دأب الموفّقين من السالكين على النهج القويم سواء كانوا من المقيّدين بالطريقة أو غير مقيّدين ليقفوا على عين الحقيقة ، فيكرعون من سلسبيلها ويسيرون باطمئنان أنفس سير من سبيلها ، فما أفلح من أفلح إلا بصحبة من أفلح ، وممن شملت العناية بردائها وتوجته السعادة بقبولها ورضائها ، فتقيّد بحبل هذه الطريقة ووقف منها على عين الحقيقة ، محل ولدنا البار الأديب الماجد السيد عبد العزيز الدباغ بن عبد الماجد ، زاد الله في معناه وبلّغه في الدارين متمناه ، فوجّه إليّ أسئلة سمّى بنفسه الجواب عنها بـ ( النفحة العنبرية ) ، فجاء بحمد ربه طبق ما اقتضته فراسته مطابقة الاسم للمسمى ، وللمسمى نصيب من الاسم عند من عرف سر الأسماء شاكرا عن هذه النعمة من غير تبجح ، وبعد ذلك الجواب وجّه إليّ ثلاثين سؤالا راجيا منّا الجواب عنها بما يبرئ العليل ويشفي الغليل ، فسارعت إلى مساعدته بما عنونته هنا بـ ( زهر الأفانين بالجواب عن الأسئلة الثلاثين ) ، من غير تأنّق في الخطاب ولا تصنّع في الجواب ، مستعطفا جواب من اطلع عليها أن يجود لي بدعاء وله مثل ذلك بحول الله سواء بسواء ، والاعتماد على الله في نفع العموم به مع الخصوص وإن كانوا في غنى عن ذلك بما لديهم مقرر من النصوص ، وها أنا ذا آتي بكل سؤال منها متبعا له بجوابه غير مبال بما لا يوافق هوى غير المنصف ، وحسبنا الله ونعم الوكيل .

السؤال الأول :ـ ما صفة التلقين الذي كان يفعله سيدنا الشيخ tعند أخذ العهد عليه وهل  لهذا التلقين لا بغير الطريقة التجانية مأخذ من الكتاب والسنة ؟ وهل التفرّق الحاصل في الطرق مع إتحادهم في المقصد بحسب الإفاضات الواردة عليهم أو له أصل من الكتاب والسنة ؟ وهل يصح في طريقتنا الأخذ للتبرك ؟ وهل لأوراد الطرق مطلقا أصل من الكتاب والسنة ؟ وما على المنكر لذلك ؟

الجواب:ـ والله الموفق للصواب أن هذا السؤال قد اشتمل على مسائل يحتاج إلى تمييز بعضها عن بعض كل مسألة لتكون على حدتها ، لتكون ترجمة خاصة بنفسها في الجواب عنها فلتمش على هذا التفصيل فنقول :ـ

المسألة الأولى :ـ عن صفة التلقين الذي كان يفعله

سيدنا t عند أخذ العهد عليه

 

 اعلم أن تلقين الشيخ t قيد حياته كان منه ما هو بمشافهته وما هو بمراسلة وما هو بواسطة الغير ممن أمره بالتلقين ، فأما ما كان بمشافهة فإنه بعد ما أمره النبي r بتلقين أذكار طريقته المنسوبة إليه لمن طلبها منه طبق ما هو مذكور في كتب هذه الطريقة من ورد ووظيفة وذكر جمعة ، قام t بهذه المأمورية أتم قيام حتى أقبل الناس عليه للأخذ عنه ، فكان أول ما يشترطه على مريد طريقته في الانخراط في سلك حزبها القيام بالصلاة التي هي عماد الدين على أتم وجه شرعي ، بإتقانها وعدم التهاون بشيء مما تقوم به في صورة الكمال في الجماعة ما أمكن في حال الانفراد لعذر شرعي ، فإذا التزم المريد هذا الشرط وهو من الأوامر الشرعية في حق كل مكلف شرط عليه شروطا أخرى ، خاصة بمن أراد التحصيل على خاصية أذكار طريقته المحمدية التجانية ، من الانفراد بها وملازمتها إلى الوفاة وترك زيارة الأولياء الأحياء والأموات ، وغير هذا مما هو مقرّر في طريقته بين مريديها ومقدّميها مما يقبلاه ذوي الاعتقاد وتضيق به حوصلة ذوي الانتقاد ، فإن ملازمة ذكر واحد بخصوص هيئة بالتزام خاص مما هو من النذور المكرّرة ، ونحو ذلك مما هو داخل في اختلاف المذاهب من القول بإباحته أو ندبه أو كراهته ، وما هو من هذا القبيل لم يقبله إلا من اتسع علمه ورسخت قدمه في العلم ، أو من شرح الله صدره بتصديق ما يبلغه عن أهل الله فتعلّق بهم للنجاة بنفسه ، أو بقى على الحياد ملازما للتسليم لما بلغه عنهم مما يخالف ما لديه من العلوم الرسمية ، فإذا التزم المريد شروط الطريقة مدّ الشيخ t إليه يده بالمعاهدة على الوفاء بذلك ، ثم يلقّنه الأوراد اللازم ذكرها في طريقته ويبيّنها له بيانا تاما إن لم يكن عارفا بها هذا المريد ، أو يحيله لمن يعرّفه بها من أصحابه حتى يحيط بها علما ويحفظها ، ليذكر بها في أوقاتها صباحا ومساءا بشروطها المقررة وأركانها المعتبرة ، فيصير من ذلك الحين من أصحابه المكتوبين في ديوانه ما دام ملازما لما أخذ عليه العهد به بين إخوانه ، ومن نكث فإنما ينكث عن نفسه ، ثم الإذن له يختم الشيخ t معاهدته المنبرمة بالمصافحة بالدعاء له وقراءة الفاتحة .

وأما التلقين بالمراسلة فقد كان الشيخ t يأذن كل من كاتبه ممن يطلب الدخول في طريقته ، ويجيب كل من تحقّق صدق الطلب مبينا له شروط طريقته وما انبنت عليه ، ويأذنه في ذكر أذكارها طبق المراد بما أدّاه إليه نظره في طالب ذلك منه ، فتارة يكاتبه بخط يده الشريفة وتارة يأمر أحد كتابه بالكتب لهم على لسانه ، وممن كان يكتب بالنيابة عنه في ذلك العلاّمة إبن المشري مؤلف كتاب ( الجامع لما افترق من العلوم الفائضة من حضرة القطب المكتوم)، والخليفة سيدي الحاج علي برّادة مؤلف (جواهر المعاني) ، والمقدّم سيدي محمود التونسي ونحوه من أعيان أصحابه رضي الله عن الجميع ، وكان t يكتب بالإذن في ذكر الأذكار اللازمة وغيرا للازمة لبعضهم بالتخصيص ولبعضهم بالتعميم بواسطة المراسلة ، طبق ما وقفنا على ذلك في عدة رسائل ذكرنا جلّها في كتابنا ( كشف الحجاب ) ، ثم نقلنا ما وقفنا عليه منها في كتابنا( رفع النقاب ) نفع الله بذلك من طالعه .

وأما التلقين بواسطة فقد كان t يقدّم لتلقين الطالبين الدخول في طريقته مقدّميه ، الذين كان لم يوجّههم إلى الأماكن البعيدة لنفع الخلق بإرشادهم للتمسك بحبل الطريقة المحمدية ، قيد حياته t  وبمحضره أيضا فيلقّن المقدّم بمحضره من طلب الإذن منه ويأذنه نيابة عنه وهو يسمع ويرى ويوافق t على ذلك ، وكذلك المقدّمون الذين يرجعون لأوطانهم فهم الملقّن لهم ليلقّنوا غيرهم ، وقد فتح الله على جماعة منهم وعلى من تلقّى الطريقة عنهم ، وغالب الوسائط أقارب النساء اللاتي يردن الاندراج في سلك طريقته ، فكان يلقن الزوج ليلقن زوجته والولد ليلقن أمه أو أخته أو عمته أو خالته وهكذا يقدّم بالنيابة عنه كل محرم لمحرمها ، ولم تصافح يده الشريفة امرأة أجنبية منه t ولا نظر إلى وجه مريدة من المريدات المتمسّكات حبل طريقته مع كثرتهن حسبما بلغنا ذلك عمن يعرف ذلك منه ، ولقد كان إذا حضرت النسوة زيارته بالزاوية أو بدار أحد من أحبابه يتلفّع ببرنوسه وكسائه فلا يظهر وجهه لهن ولا من أطرافه إلا ثوبه ، ثم يعظهن ويذكّرهن بما ينفعهن في أمور دينهن ودنياهن قياما بحق الإرشاد ، اقتداءا بسيد الوجود r في سنته التي كان عاملا بها مع الصحابيات اللاتي يقصدنه للمبايعة وتلقّي أمور دينهن ، فكان يعمل الشيخ مع النسوة بمقتضى ذلك مع إعطاء المناصب حقها ، وقد كان t يأنف من أن يقبّل أحد يديه حالة الإذن وفي غيرها لا من الإخوان ولا من غيرهم ، وربما بسطها لبعض الناس ممن يريد تربيتهم فيما علّمهم بما اقتضته فراسته ، وكان يصعب عليه أن يقبّل أحد من آل البيت يده ، ولقد قبّل يوما شريف يده عن غفلة منه فأقسم الشيخ بالله من أن يمكّنه من يده ليقبّلها ، فخشي الشريف من إحناثه وكاد أن يغمى عليه عند مد يده لتقبيل الشيخ لها ، فمن تلك السويعة لم يتجاسر أحد من الشرفاء على أن يقبّل يده خشية أن يفعل الشيخ t معه مثل ما فعله مع ذلك الشريف ، لكونه t يبجّل الشرفاء ويعظّمهم غاية التعظيم ، وقد تعرضنا لهذه القضية في كتابنا ( كشف الحجاب) وزدناها بسطا في غيره مما كتبناه والله ينفع بذلك الإخوان والأحباب ، فنكون من أهل الخصوصية الواقفين مع أهل الله وآل البيت موقف الاحترام بغاية التأدب ، وبالله التوفيق .

المسألة الثانية :ـ هل لهذا التلقين لا بقيد الطريقة

التجانية مأخذ من الكتاب والسنة ؟

 

اعلم أولا أن طريقة أهل الله قاطبة مبناها على الكتاب والسنة ، وأهلها y كلهم أحرص الناس على إتباع ما جاء به الرسول r من أفعال وأقوال وأحوال ، ويتنافسون في التخلق بأخلاقه الشريفة ويبذلون النفوس وأنفس النفائس في التعلّق بعتبته المنيفة ، ولقد نقل الإمام الشعراني في كتابه (لطائف المنن والأخلاق) عن الإمام القشيري وغيره ما نصّه :ـ << أصل تسمية الصوفية صوفية كان حين ظهرت الاختلافات والبدع في عصر الإمام أحمد بن حنبل t ، فسمّوا كل من تمسّك بالكتاب والسنة وعمل بهما صوفيا دون غيره ، ــ قال ــ وقد روينا عن الإمام أبي القاسم الجنيد t أنه كان يقول { طريقنا هذه مشيّدة بالكتاب والسنة فمن لم يقرأ القرآن ويكتب الحديث لا يقتدى به فيها }>> .اهـ

واعلم ثانيا أن شيوخ الطرق المأخوذ العهد بإتباعهم في السلوك والصدق في معاملة الحق والخلق على اختلاف مشاربهم ، فيما قاموا به من العبادات ونوافل الخيرات وما حصل لهم من الفتوحات وما وقع لهم من الكرامات ، وما صرّحوا به من مختلف العبارات وغير ذلك من أحوال وأقوال وأفعال ، إما أن يكونوا مقدّمين للتلقين والأخذ بالأيدي بإذن شيوخهم وإجازتهم لهم في ذلك باسم طريقة منسوبة لشيوخهم الملقّنين لهم خاصة بهم ، أو تتفرع بتسميتها بالنسبة لمن قام فيها بالتلقين لخصوصية ومزية حصلت له كما تفرّعت بذلك الطريقة الشاذلية ، أو يصدر من المتصدّر في الطريقة بالإذن الخاص في تربية المريدين بالاصطلاح أو بدون مراعاة اصطلاح بخلوة أو بغير خلوة ، وقد انقطعت التربية بالاصطلاح منذ زمان كما نصّ عليه الشيخ زروق في قواعده ، أو يصدر لهم الإذن في التلقين للطريقة بصفة كونهم مقدّمين عن هؤلاء الشيوخ ، متكلفون بترقية مريديهم بالهمة والحال بما خصّ الله طريقة كل بما ميّزها به عن غيرها، من الخصوصيات التي حلا مشربها في ذوق الميسّر لها من الداخلين فيها بالشيوخ ، أو يكونوا من الذين عملوا في سلوكهم على الكتاب والسنة والشيخ كيف ما كان:ـ

إذا لم يكن علم لديه بظاهر     ولا باطن فاضرب به لجج البحر

فلا يصح للاقتداء ومع كونه في هذه الحالة إذا ادّعى الشيخوخة ، فلا ينبغي للموفق أن يصدر منه عليه انتقاد بل يتعين عليه في حقه دائما أن يكون على الحياد ، فإنه وإن ضرب به لجج البحر لجهله فلا يهتك له حرمة خشية أن يكون من الشيوخ الذين دخلوا في مخدع الستر عمن لم يكن من أهلهم ، فيكون هذا المريد محروما من فضلهم ، فليدع هذا المريد هذا الشيخ ولا يقتدي به لكونه لا يصلح للاقتداء كما لا يصلح للاقتداء كل من نبذ الشريعة ظهره وتهتك في سرّه ، وعامل الخلق بما لم يصدق الله فيه من أمره كما قال الشيخ الأكبر إبن عربي قدّس سرّه :ـ

لا تغتر بالذي زالت شريعته     عنه ولو جاء بالأنباء عن الله

ومع هذا فلا يليق بقصير الباع من علماء الظاهر ولا ممن انحاشوا لأهل العلم الباطن التسارع للنكير ، خشية أن يكون هذا التظاهر بخلاف ما أبطن من الملامتية الذين عملوا على ما يلامون عليه في الظاهر ، لسر من الأسرار ومقصد من المقاصد الذي قصر على إدراكها المترسّمون ، أو يكون ممن لهم التحقق بمقام الإلهام بما لا يمكن لغيرهم أن يستند عليه حيث كان الأمر الذي تظاهروا به لا يمكن الاستطلاع عليه ، إلا لمن كان من الموفّقين للأخذ عنهم ولم تمنعه البشرية من الإقبال عليهم ، فينظر هذا الموفّق لمن كانوا أعلى منصبا منه في العلم ممن صدقوا الله في معاملته مع رسوخ القدم ، وقد وقعت لهم امتحانات مع من عاصرهم و شيوخ الطرق ، فألقى إلى الشيوخ السلب من أراد الله بهم خيرا ممن ارتقوا في مراقي العلم والعمل إلى أعلى مرتبة وكانوا أهل اقتداء في مناهج الاهتداء ، قال في ( لطائف المنن والأخلاق ) :ـ<< وكفى شرفا لأهل الطريق قول السيد موسى u للخضر { هل أتبعك على أن تعلّمني مما علّمت رشدا } ، واعتراف الإمام أحمد بن حنبل t وأرضاه لأبيس حمزة البغدادي بالفضل عليه ، واعتراف أحمد بن سريج رحمه الله لأبي القاسم الجنيد ، وطلب الإمام الغزالي له شيخا يدله على الطريق مع كونه حجة الإسلام ، وكذلك طلب الشيخ عز الدين بن عبد السلام له شيخا مع أنه لقّب بسلطان العلماء ، فكان شيخ الإمام الغزالي محمد الباذعاني وشيخ عز الدين الشيخ أبو الحسن الشاذلي ، وكان الإمام الغزالي t يقول لما اجتمع بشيخه المذكور{ ضيّعنا عمرنا في البطالة } بالنسبة لما ذاقه من أحوال الطريقة، وكان عز الدين t يقول { ما عرفت الإسلام الكامل إلا بعد اجتماعي على الشيخ أبي الحسن الشاذلي t وأرضاه } ، فإذا كان هذان الشيخان قد احتاجا إلى الشيخ مع سعة علمهما بالشريعة فغيرهما من أمثالنا من باب أولى >> إلى آخر كلامه t .

ولا شك أن كل واحد منهم أخذ العهد على تابعه من هؤلاء الأعيان فمن دونهم ، فالعمل على ما لقّنوهم من أذكار وأحزاب ونوافل خير مما انتفعوا به وكانوا لهم من المريدين والأصحاب ، وجرى على ذلك من اقتفى أثرهم ممن أذنوه فيما لديهم من ذلك وأجازوه فيه ، وهكذا غير من ذكر من الشيوخ ذوي الثبات والرسوخ ، سواء منهم من رمته المقادير في ميدان الامتحان والامتهان ومن حصل لهم على غيرهم الظهور بخوارق العادة وساطع البرهان ، وما يلقّاها إلا الذين صبروا وما يلقّاها إلا ذو حظ عظيم ، ولو فتح الله عين بصيرة المنتقدين على الصوفية والمتحزبين عليهم من ذوي الأغراض الشخصية ، الذين يحسبون أنهم يحسنون صنعا وأنهم على هدى بما قاموا به من الطعن في أهل الله بما يعود عليهم سوء ما كادوهم به ، لوقفوا موقف الحياد على الأقل من التداخل في هذا الأمر الجلل ، خصوصا في هذا الزمان الذي نحن فيه فما كفانا ما أصابنا من الضعف في الدين وعدم اليقين مع التهاون بالمأمورات واجتناب المنهيات ، والاشتغال بالملاهي والفرجات وضياع الوقت في مطالعة كتب الروايات والخرافات والتزيّ بالزي الذي ينكر والمعاملة بما لا يحمد ولا يشكر ، مع عدم المبالاة بما وراء ذلك من الرزايا الدنيوية والأخروية ، وصرنا نهدم ما بناه لنا السلف من مجد ونهضم جانبهم وجانب من انتسب لهم في القرب والبعد ، فنحن على خطر عظيم في ديننا ودنيانا إلا أن يعفو الله ، ولا يزال المنكرون على أهل الله في استعجال أمرهم ينتقدون على من يعتقدون ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ، ولو ألقى أهل العلم نظرة إجمالية فيما اشتمل عليه الكتاب العزيز من قصص ، وما في السنة من ذلك وما كان عليه سالف الأمة من أحوال ، لألقوا حجرا في فم كل دخيل بينهم ممن ولعوا بالنكير على العارفين يكسرون بذاك الحجر أسنانهم فلا يمزقون بها لحوم أهل الله ، ولا تتجرّأ العامة من بينهم على هتك الأعراض المحرّمة ولو سكت من لا يعلم لاستراح عالم كثير من هذه الملة ، قال العلامة إبن حجر في فتاويه :ـ << ولقد تواتر وشاع وذاع أن من أنكرعلى هذه الطائفة يعني الصوفية وأكابرهم لا ينفع الله بعلمه ويبتلى بأفحش الأمراض وأقبحها، ــ ثم حكى وقائع من ذلك وقال في موضع آخر منها ــ وأوراد الصوفية التي يقرؤونها بعد الصلوات على حسب عادتهم في سلوكهم لها أصل أصيل،

 إلى أن قال ومن فتح باب التأويل للمشايخ وغض عن أحوالهم ووكّل أمرهم إلى الله واعتنى بحال نفسه وجاهدها بحسب طاقته ، فإنه يرجى له الوصول إلى مقاصده والظفر بمراده في أسرع زمن، ومن فتح باب الاعتراض على المشايخ والنظر في أحوالهم وأفعالهم والبحث عنها فإن ذلك علامة حرمانه وسوء عاقبته وأنه لا ينتج قط >> إلى آخر كلامه .

ثم اعلم أيضا أن العالم بالشريعة الواثق بعلمه الموثوق به لتلقيه عن المصادر الوثيقة ، يتعين عليه أن يبحث عن الشيخ العارف بسلوك الطريقة الذي تحققت معرفته بالله ، ولا ينبغي له أن يصدّه عنه ما يتراءى له مما لا يقبله علمه ولا يسعه فهمه ، فإن وراء ما بلغه شيء جسيم بمقتضى وفوق كل ذي علم عليم، فضلا عمن لا علم له فإنه أولى بالطلب والبحث عمن يأخذ بيده ، ولينظر الموفق إلى قضية نبي الله سيدنا موسى uمع الخضر فإن موسى u متفق على نبوته والخضر مختلف في نبوته ، والصحيح أنه غير نبي وإنما هو ولي من أولياء الله وعبد من عباده آتاه الله رحمة وعلّمه من لدنه علما لم يكن عند سيدتا موسى، وطلب من الحق الإذن له في البحث عن الخضر u ليقتبس من نور علمه فإذن له ، فشدّ الرحلة صحبة فتاه إلى أن اجتمع به وقال له موسى ( هل اتبعك على أن تعلّمني مما علّمت رشدا ) ، فكان موسى u متحققا بأن ما عند الخضر من العلم اللدني فإنه من الرشد الذي رغب في تعلّمه منه لا من السفه الذي ينكر على من علمه وعمل به ، ومع تحققه بذلك أخبره الخضر u بما خاطبه به من قوله(إنك لن تستطيع معي صبرا وكيف تصبرعلى ما لم تحط به خبرا)، فإن صاحب علم الظاهر يقف على ما لديه من العلم الذي يقضي بالإنكار على صاحب علم الباطن مثل الخضر فإنه من علماء الباطن ، وهم أصحاب المعرفة بالله الذين علّمهم من لدنّه علما لم يكن باكتساب، وإنما هو من حضرة الوهب على شريطة (اتقوا الله ويعلّمكم الله)، ومع كون موسى u من أكبر العارفين بالله فإنه لم يكتف بما علّمه الله إرشادا لغيره في عدم الاكتفاء بما لديهم من العلوم ، وتعليمهم كيفية الطلب بين الخصوص والعموم كما سلك هذا المنوال الأعلام الأعيان ، وقد خاطب الحق سيد العالمين بقوله (وقل ربي زدني علما) حتى لا يقف عالم مع ما علم ، لكون العلم بحر لا ساحل له كما قيل :

قل للذي يدّعي في العلم معرفة      علمت شيئا وغابت عنك أشياء

ولما أخبر الخضر موسى عليهما السلام بأن العلم الظاهر الذي معه لا يقبل ما يصدر منه قال موسى u ( ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا)، فواعده بأنه سيجده صابرا على ما براه منه مما لا يسعه علمه وإن أمره بشيء فإنه لا يعصيه فيه بل يمتثله بطيب نفس وإن كان كيف ما كان ، وذلك هو الذي يليق بمن يريد إتباع شيخ في سلوك الطريق فإنه ينبغي له أن يكون ممتثلا لشيخه ولا يعترض عليه ، وقد علم الخضر u أن سيدنا موسى لا يصبر على ما يراه مما يخالف ما لديه ، فلذلك نبّهه على ما يصدر منه وأعلمه سيدنا موسى أنه سيجده طبق ما واعده به فقبل الخضر منه ذلك ، فشرط عليه شرطه الذي اقتدى به الشيوخ في الاشتراط على الطالبين للدخول في طرقهم ما يرونه من الشروط ، فإن قبلوه أظهروا لهم من خوارق العادات ما ينفّرهم عنهم أو يثبتون مع مشاهدته معهم حتى يصلوا لمقصودهم أو ينقطعوا قبل الوصول إليه، حسبما قدّر لهم في بساط التربية فيقع لهم الانتفاع بذلك في خاصة أنفسهم أو لإتمام النفع على يدهم لغيرهم، وبعدما استسلم سيدنا موسى u للخضر و ألقى سلب معلوماته بين يديه قال (إن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا) ثم صاحبه في الطريق ورأى منه ما رأى ، مما رأى أنه منكر لا يحل السكوت عنه بمقتضى لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ولم يصبر ، فحذرّه الخضر u من الإنكار عليه وذكّره بالعهد الذي أخذه عليه ، فحبس موسى u نفسه على الإنكار واعتذر إليه بما يقبله منه أولا وثانيا من الأعذار إلى الثالثة التي لم يبق معها اعتذار ، فقال له الخضر(هذا فراق بيني وبينك) لكونه لم يقدرعلى الذي خالف ما عنده من الشريعة ، ولقد قاتل سيد الوجود r في حقه << يرحم الله موسى لوددنا لو صبر حتى يقص علينا من أمرهما >>، فتشوّف r للاستطلاع على أكثر مما قصّه الله من خبرهما مع أنه سيد العالمين ، ثم إن الخضر أنبأ موسى بتأويل ما لم يستطع عليه صبرا وأطلعه على السر المنطوي تحت ما فعله ، مما لو ظهر له سره أوّلا ما بادر بالإنكار عليه ، فهذا ني الله موسى u قد استفاد من الخضر من العلم اللدني ما أدّبه الله به وتشوّف نبينا r إلى الاستطلاع على أكثر من ذلك فيما أشرنا إليه ، وقد اتخذ موسى الخضر شيخا في الاقتداء به في طريقته مع ما هو متحقق به من صحة علمه بشريعته ، فإن قيل كيف ساغ للخضر أن يفارق نبي الله موسى u وصحبة الأنبياء مما يزيد العارف بها عرفانا ويرقى بها في مراقي الإحسان مما يزداد به إيقانا ، قلنا إن الخضر u متحقق بنبوة موسى u بلا شك غير أنه لم يكن من المأمورين بالاقتداء ، بشريعته لكونه على هدى من ربه بما تحقق به في سرّه بإتباع الأمر الصادر له بالإلهام أو باقتفاء أثر أحد الأنبياء،الذين كانوا في زمانه أو قبله على الجميع السلام ولم تكن شريعة موسى u عامة ، وإنما فارقه وقوفا مع الشرط ولا يمكن أن يتجاوزه بعد قوله (إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا) ولولا هذا ما فارقه، فالذي طلب المفارقة بالشرط هو موسى فقد دخل بشرطه وخرج بشرطه، فإن قيل كيف يكون الخضر أعلم من موسى طبق ما ورد والأعلمية تقضي بكون الأعلم عالما لما عند ذلك العالم ثم يزيد عليه ؟ ، ولا شك هنا أن موسى عنده علم الشريعة وعند الخضر علم الحقيقة فكيف يكون الخضر أعلم من موسى ؟، قلنا أن موسى u قد أذّبه الحق سبحانه بذلك فإنه لما سئل أي الناس أعلم وقال أنا أعلم عتب الله إذ لم يرد العلم إليه، وأوحى إليه أن عبدا من عباده بمجمع البحرين هو أعلم منك، فلم تكن معاتبة الحق له إلا لكونه لم يرد العلم إليه تعالى، وقد كان موسى u على يقين من كونه نبيا في خاصة نفسه رسولا من رب العالمين لأمته، التي من جملتها فتاه يوشع وأخوه هارون عليهم السلام وهما من أعلم علماء زمانهم دونه ، متحققا بأنه هو الأعلم فأخبر طبق ما لديه سائله وقد خشي فتنة قومه إذا رد العلم إلى الحق مع تحققه بأن الله أعلم بذلك، فإن العامة تتزلزل قدمهم بأقل شيء فلو قال الله أعلم لقالوا إنك نبي وكيف تجهل مثل هذا فيقع منهم عليه انتقاد، وخشي أن يحصل بذلك في الأمة فساد بسوء اعتقاد مع أنه عالم شريعة وعلم الشريعة أضيق من علم الحقيقة ، لأن الشريعة منوطة بالتكليف وهو تقييد للمكلف بخلاف علم الحقيقة فهو إطلاق حتى صار صاحبه غير مكلف في حال جذبه، فالخضر يعمل بالحقيقة في حال الجذب وبالشريعة في حال السلوك، وموسى لا يعمل إلا بالشريعة لأنه في حال السلوك دائما، فمن هذه الحيثية كان الخضر أعلم من موسى فما عليه الخضر يحتاج فيه إلى مزيد علم، لأن الخضر يعمل بمقتضى العلمين وموسى لا يستدل بالحقيقة ولذلك حج آدم موسى فغلبه بالحجة بالاستدلال بالحقيقة، وموسى صاحب شريعة وصاحب الشريعة لا يشتغل بما تقضي به الحقيقة لأنه مأمور بالحكم الظاهر والله يتولى السرائر، ولذلك لا تجد الأنبياء يتصرّفون في المكونات مثل تصرّف الأولياء، فهذا سيدنا سليمان u الذي آتاه ملكا لا ينبغي لأحد سواه لم يحضر بنفسه عرش بلقيس لديه لكون ذلك ليس من شأنه، وقد أحضره له غيره حين قال (أيّكم يأتيني بعرشها) ولولا علمه u أن الله أعطى التصرف لبعض عباده في مثل ذلك ما استفهم عمن يحضره له في بساطه وبينه وبين محل بلقيس مسيرة نحو شهر، وقد أجابه لاقتراحه من أعطاه الله القدرة على ذلك بتمكنه من التصرف بسر كن في الكون، ولم يرتض أن يكون الإتيان به بقلعه       والإتيان به محمولا ولكن اطمأنت نفسه إلى من يأتي به على خرق العادة، وهو الذي قال (أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك) فكان إيجاده في ديوانه وإعدامه من أرضها طبق مظنونه، وهو من الكرامات التي تحصل للأولياء من خرق العادات، وقد استعظم هذا الأمر الخارق بعض المفسرين فقال<إن الذي أتى بالعرش هو سليمان لا غيره>،  وكأنه جنح بذلك إلى نفي الكرامة الحاصلة للأولياء والله أعلم فإن بساط القضية يقضي بأن الذي أحضر عرش بلقيس هو غيره، ولم يحجب نور نبوته تصرّف بعض أمته بمحضره لتظهر جلالة نبينا وفضلهr ، فإنه لم يتصرّف أحد من أصحابه y بحضرته بإظهار خوارق العادة على يدهم وظهور كراماتهم، مع أنهم أفضل بكثير وأعلم ممن احضر عرش بلقيس لكون نوره r لا يظهر معه نور غيره، مع تمكنهم في مقام الولاية الخاصة فلا ظهور لها معه لكونه r مشتغلا بتبليغ ما أنزل إليه، وأصحابه كانوا مشتغلين بتلقّي ما يبلّغونه للأمة عنه فلم يلتفتوا للتصرّف في الخلق بسر كن في الحق قيد حياته r ، ولذلك ظهرت لبعضهم بعده كرامات تكاد أن تعد من معجزات الأنبياء قبلهم عليهم السلام، ولما كان سليمان u قائما بوظيفة التشريع التي هي علم الظاهر لم يشتغل بما يقضي به علم الباطن ، فلم يعامل أمته بما ينتج من التصرّف بالعلم اللدني وكذلك موسى u مع الخضر قدس سره، وقد قضت حكمة الله أن لا يكون نبيا من كان مقامه مقام الحقيقة ويتصرّف بسر كن بين الخليقة، لأن صاحبها الغالب عليه الجذب والمجذوب لا يصلح للتسليك، فإن قيل إذا كان صاحب الحقيقة لا يصلح للإرشاد لكونه من المجذوبين فهل ذلك مطلقا؟ ، قلنا الذي لا يصلح أن يكون شيخا للإرشاد هو المطبق عليه منهم، وأما من له حظ من الحقيقة ومعه الرجوع للشريعة فإنه يصلح للاقتداء به ويصح منه التسليك في حال سلوكه لا في حال الإطباق عليه، فإن قيل أن سيدنا موسى u قد اقتدى بالخضر وهو صاحب حقيقة والعامل بهما لا يقتدى به، لأن الملامتية الذين يفعلون ما يلامون عليه في الظاهر وإمامهم الخضر ممن لا ينبغي السلوك معهم في مسلكهم، قلنا سيدنا موسى u مأذون له في إتباع سيدنا الخضر قدس سره ولم يكن الخضر مطبقا عليه باستيلاء سلطان الحقيقة عليه، بل كان على أتم السلوك معه إلا في حال قتل الغلام وخرق السفينة فإنه اعتراه حال أهل الحقيقة حتى فعل ما فعل، واعتراه ما اعتراه ما هو أعظم من أحوال أهل الحقيقة حالة تصريحه لموسى u بقوله (هذا فراق بيني وبينك)، فلو لم يكن في حال تعرّي أصحاب الحقيقة ما عمل ما عمله ولا خاطبه بما خاطبه به مع أنه يتحقق بأن موسى من الأنبياء عليهم السلام، فقد فعل ما فعله بغلبة الحال عليه في حال شطح لا يبالي معها بكل ما يصدر، ولكن مع غلبة الحال عليه فإنه عارف بما يئول ذلك إليه من السر الذي أنبأ به موسى u ، ويدل على أن الخضر عالم بمقام موسى قوله << يا موسى إني على علم من علم الله علّمنيه لا تعلمه أنت وأنت على علم علّمكه لا أعلمه>>، ولولا غلبة الحال عليه ما قال له (هذا فراق بيني وبينك) كما تقدّمت الإشارة إليه، لأن مصاحبة أنبياء الله مما يبذل فيها الموفق النفس والنفيس لكونها من أعظم القربات، فإن قيل فلم لم يحرص الخضر على مرافقة موسى u والبقاء معه فيستفيد منه ما لم يكن يعلمه كما حرّض موسى على متابعته والأخذ عنه ومتابعة الأنبياء مأمور بها، قلنا الخضر u في مقام الحقيقة وما وصلها حتى كان على يقين من المعرفة بالله وهو غير مرسل ولا نبي على الأصح، فهوغيرمأمور بالدلالة على الحق ولا بتبليغ وحي للخلق، وحيث لم يكن مأمورا بالإرشاد فقد اكتفى بالعمل بالعلم الذي عنده عن طلب العلم الذي عند موسى u، فاشتغاله بنفسه لم يتركه يطلب ما عند موسى u من علم الظاهر، وهذه الحالة تقضي بأن الخضر قدس سره صاحب حال كما أشرنا إليه، فإن قيل إن كان الأمر طبق ما ذكرتم في اكتفاء الخضر بما لديه عن علم موسى u ، فهل يصح الاكتفاء بما عند المفتوح عليهم من الأمة المحمدية عن فروع الشريعة وأصولها وتعلّم ذلك؟ ، قلنا الكلام هنا ينبغي أن يكون في حق المجذوب المطبق عليه لكون المجذوب غير مخاطب فيس نفسه فأحرى أن يكون مقتدى به، وأما غير المجذوب فلابد من العلم بما يجب على الأعيان المكلفين في حقه ليقوم بما فرض الله عليه ولا ثقة بالفتح بدون معرفة ذلك، ولا يضر المفتوح عليه الجهل بما غير واجب من أمور الدين وغالب المحجوبين عن معرفة أهل الله يواخذون من هذه الحيثية، فلا يكبر في أعينهم من لم يكن عالما بما علّموه من الرسوم، ومن هذا الباب إذا أجاب العارف عن حكم الله في نازلة وأخبر بخلاف ما يعلمه عالم الحكم الظاهر فلا ينبغي له التسارع للإنكار، لأن المفتوح عليه يخبر بما هو الحق عند الله في تلك النازلة له طبق ما يراه بالكشف الصحيح لا بما هو عند الناس، وقد وقع من ذلك قضايا لا نطيل بذكرها ويكفينا ما كتبناه هنا في هذه المسألة مما أورده علينا الوارد من غير نقل عن أحد وبالله التوفيق .

المسألة الثالثة :ـ في السؤال عن التفرق الحاصل في الطرق مع إتحادهم في المقصد، هل بحسب الإفاضات الواردة

عليهم أو له أصل من الكتاب والسنة؟

  

اعلم أن التفرق الحاصل في طرق الصوفية بين السالكين فيها على قسمين تفرق نوراني وتفرق ظلماني، فالظلماني حاصل من الأغراض الشخصية يثير غبارها النفوس بالهوى المتمكن في جهلة المريدين المنتسبين لطريقة من تلك الطرق، وممن هم على مشاكلتهم من المتصدين فيها من أصحاب الدعاوي العريضة لا من الجهلة منهم ولا من علمائهم المتعصبين بما اقتضاه هواهم، وهؤلاء لا تخلو منهم طريق وهم مبدأ الانتقادات التي تتوجه على الصوفية وإليهم مرجعها والطرق بريئة منهم فيما ينسبونه إليها، ولا يليق بالموفق أن يتسارع بالإنكار على الصوفية بما يراه من التفرق الذي يقع بين هؤلاء المريدين بين طريقتين فأكثر، ويقضي بهدم الأركان المشيدة في طرقهم على تقوى من الله ورضوان، فإنه على أبواب كل طريقة شيطان يدعو قومه ليكونوا من أصحاب السعير، ولقد أقسم اللعين فقال مخاطبا لمولاه (لأقعدن لهم صراطك المستقيم) فهم يعملون على شاكلتهم معه وكل ميسر لما خلق له، ولا يضر الحق ما يتظاهر به المبطل في طريق الحق وسائر الطرق تدعو إلى الحق، لأن المقصود لمريديها واحد ولا عبرة بمن صدر منه ما لا يوافقه الحق عليه، وسنزيد إيضاحا لهذا المعنى في جواب الأسئلة بعد إن شاء الله، وأما التفرق النوراني فهو الذي لا تحوم حوله الأغراض الشخصية ، وهو حاصل من الشيوخ y عن اجتهاد بعد القيام بالمأمورات واجتناب المنهيات وتمكنهم في مقام القربة للحق بنوافل الخيرات، فحصلوا على مفاتيح الخير فدلّوا المريدين عليها بالإذن الحاصل لهم في ذلك إذنا عاما وخاصا، ومقصودهم بذلك واحد وإن تفرقوا في الظاهر بما تقدّم به كل طريقة من النوافل التي تقرّب المريد من الحق تعالى، بعد القيام بما افترضه عليه وليس هذا من التفرق المذموم، وقد تجرّأ عليهم فيه بعض المنكرين وأدخلوهم فيمن أخبر الحق بهم نبيه r في قوله (إن الذين فرّقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء)، فإن السالكين في هذه الطرق لم يفرّقوا الدين بل هم قائمون على قدم الصدق في عبادة الحق بين الهادين والمهتدين، والداعي لكل فرد منهم للسلوك على تلك الطرق هو شغفهم وما يوصلهم إليه بين الحق، وتلك حالة المؤمنين بالغيب فهم متعشّقون لجانب الحق متشوّفون للوصول إليه وكل واحد منهم على قدر حاله من التشوف، والمتشوف لنيل مطلوبه يقتحم كل صعب وكل صعب في حقه يهون ليظفر بما قدر له، حتى أن الجل من المريدين في هذه الطرق تنخدع نفوسهم بكل من شمّوا رائحة الصدق في التسليك على أقوم الطريق، وأقربها إلى الفتح فيها عليهم بالاجتماع بقرّة العين ونيل المقصد ولا يبالون بما يبذلونه في هذا القصد الذي تتفاوت فيه النفوس (وفي ذلك فليتنافس المتنافسون)، ولا يضرهم ما يلاقونه من عذالهم الذين يقفون في أوجههم سدّا منيعا في وصول الخير لمن ساء ظنه، ولا يزال هؤلاء العذال يشوهون وجه الفضيلة في أعين من رأوا محاسنها متجلية غي طريق القوم، حتى يظهر للمعتقد بشرية من اعتقد فيه فيراها بعين المنتقدين إن كان ممن كتب الله حرمانه فيرجع القهقرى، ويرى ما كان أمامه مطروحا بالعراء من الورى فلا يبقى له في أهل الله اعتقاد

وإن ساء فعل المرء ساءت ظنونه     وصدّق ما يعتاده من توهّم

وربما بادر بالانتقاد خصوصا إذا كان الذي انقاد إليه أولا ممن لم يكن من المأذون لهم في الإرشاد، أو ممن كان دخيلا في هذا الحزب الذي قلّ ما يتميز فيه المحق من المبطل في التظاهر بحلية الأبرار وهو من المتطورين في غير ما هو عليه باطنا بين الأخيار، فيحمل عليه هذا المحروم وغيره ممن لم ينل خيره ولم تبق له ثقة في المنتسبين كما وقع ذلك لكثيرين، أما من لم تعمل في نيّته معاول المنتقدين الذين ابتلاهم الله بالإنكار على الصوفية، فإنه لا يبالي بما خرج من يده أو بما آل إليه حاله من الفقر ويرى ذلك من الله نعمة عليه ولا يجد في نفسه نغمة، فهو خليق بنيل المقصد بنيّته الصالحة في معاملة الله في هذه التجارة الرابحة، ولابد أن يجد بركة ذلك الاعتقاد عملا بما ورد في حسن الظن وجميل الاعتقاد، ثم اعلم أيضا أن الأولياء والشيوخ y قد اختلفت مشاربهم بحسب استمدادهم بالإفاضات السارية لهم من سر الحضرة المحمدية والوراثة النبوية عليها السلام بواسطة أو بغير واسطة، فإن منهم المحمدي الذي قدمه على قدمه في الحقيقة r في سلوك الطريقة، ومنهم الأحمدي الذي قدمه على قدمه في الحقيقة، ومنهم الموساوي الذي قدمه على قدم سيدنا موسى u ، ومنهم العيساوي الذي قدمه على قدم سيدنا عيسى u ، وهكذا غيرهم ممن قدمهم على قدم نبي من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وقد تتعدد للواحد منهم مشارب بحسب الإرث من نبي واحد فأكثر :ـ

وكلهم من رسول الله ملتمس     غرفا من البحر أو رشفا من الديم

وهذا الاستمداد بالإرث النبوي للأولياء رضوان الله عليهم لا يتصور حقيقته علماء الظاهر، فهم لا يعرفونه ولا يعترفون به ولا يقول به منهم إلا من قدّر الله له نصيبا من تلك الحضرات في عالم الغيب وضرب له سهما من سهام التسليم، وليس كلامنا هنا إلا مع أهل الاعتقاد في هؤلاء القوم النواب عمن ورثوه من السر المحمدي قبل البعثة وبعدها، فإن الحق سبحانه جمع ما للأنبياء قبله لمن بعده في أمته لتكون جامعة لأسرار من تقدم وتأخر، ولهذا يوجد في العصر من أمته أولياء قد اختلفت مشاربهم وتنوعت أذواقهم وتباينت أحوال بعضهم، حتى صار من لا معرفة له بالظاهر التي اقتضاها التجلي الاختصاصي من حضرة إطلاق الفضل الوهبي يرى عدم التوافق فيما بينهم في حال السلوك فضلا عن حال الجذب، وربما أدّاه ذلك إلى الانتقاد عليهم لا سيما إذا رأى منهم انتقادات لا تليق بجانبهم في نظره، ويكفي الموفق للاعتقاد ما وقع لسيدنا موسى مع سيدنا الخضر عليهما السلام فقد اختلف مشربهما مع كونهما على صواب، بما وقع الوحي به لنبي الله ووقع الإلهام به لمتبوعه الخضر الذي يقول (ما فعلته عن أمري)، وقد ودّ رسول الله r أن صبر سيدنا موسى حتى يقص عليه من خبره مع الخضر أكثر مما وقع،  لتستفيد أمّته u من غرائب العلم اللدني ما يوحيه الحق مخبرا به لهم ليزدادوا بذلك معرفة لما جرى في الأمم السالفة مع أنبيائهم، وقد جرت عادة الله في علماء الشريعة الذين تمسّكوا بالظاهر أن لا يصبروا على ما رأوا منه مخالفة لما لديهم من علم الشرع، ولا يذعن منهم لمخالفه إلا من ذاق من المشربين ولم يكن واقفا بين البابين، وقد علمت إذعان سيدنا موسى u بعد انتقاده على الخضر u مع إتحادهما في المقصد، وقضيتهما حجة واضحة في كون التفرق المسئول عنه له أصل من الكتاب والسنة، وللشيوخ y في مسالكهم حسب اجتهادهم موافقات ومخالفات تقضي على المباين لهم فيما انتحلوه بانتقادات تضر بالمنتقدين من حيث لا يشعر، لقصوره عن مدارك تلك الأحوال التي يراها بعين الأحول إن لم نقل بعين الأعمى الذي لا يرى إلا ظلمات تراكمات بعضها على بعض، سيما إذا انتهج مناهج أهل البغض ولو تنزّل قليلا عن ترقّيه بنفسه عن مقام الانتقاد لرأى أحوال هؤلاء السادة في عين الصواب، لكونهم مجتهدين كاجتهاد الأئمة المقتدى بهم في الدين بما هو واقع بين مذاهب الأئمة في الفروع الشرعية وأصولها، مثله واقع بين أهل الطرق الصوفية إلا أن الصوفية طرقهم سالمة من التعصبات النفسانية التي تأخذ بنفوس بعض من لهم نفوذ من المتصدرين بين العامة، إلا ما كان من بعض المتداخلين في الطرق القاعدين في أزقة الأغراض الشخصية فهم خارجون من دائرة فضل هذه الحضرات العرفانية، فتنافسهم فيما تقضي به عليهم أنفسهم لا يوافقهم غليه موفق وليس ذلك فغي الطرق الحقانية في شيء فتفرّقهم لا توافقهم عليه طرقهم، ولو سلمت الطرق من مثل هؤلاء الدخلاء لم يجد ما يقوله فيهم أصحاب الأهواء، لأن الصوفية هم أحرص الناس على إقامة شعائر الدين على أتم الوجوه وهم عدول الأمة على الحقيقة، لتوفر شروط العدالة فيهم أكمل من غيرهم حقا وصدقا سرا وجهرا، وهذا الذي نعتقده حسبما شاهدناه من جل من خالطناه ونرجو أن يعود علينا من حسن اعتقادنا ما يصلح الله به منا الأحوال، والحاصل أن التفرق بين أهل الطرق إما أن يكون عهن أغراض شخصية وهو من الأحوال العارضة بين عامتهم فهم فيه كعامة المتمذهبين بالمذاهب ممن أعماهم الهوى فلا يرجعون عن أغراضهم التي ترميهم إلى الحضيض الأسفل من الهواء، ولا ينبغي مؤاخذة البريء من الشيوخ بما لطخت به هؤلاء المعرضون طرقهم إلا إذا كانوا يرون ذلك ورضوا به، فحينئذ تدخل القضية في طور آخر بين ذوي الاعتقاد وذوي الانتقاد والسلامة تكون في حيّز أهل الحياد، وهم الذين لم يزنوا على الشيوخ ما يصدر منهم بميزان لا يقفون به على التحقيق فيما يرونه منهم أو يرونه عنهم، وهؤلاء المسلّمون للشيوخ هم المتمسكون بحبل الناصح الأمين القائل في حق سيدنا موسى u لقومه (إن يكن كاذبا فعليه كذبه وإن يكن صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم)، وقومهم على قوم فتى موسى وهو سيدنا يوشع u فإنه رافق سيدنا موسى في متابعته للخضر عليهما السلام وما تداخل معهما في شيء، فإنه رأى ما رأى وسمع ما سمع وما أنكر وما انتقد وكأنه لم يوافقهما، وكأنه لم يحضر شيء من تلك الخوارق التي لم يمكن سيدنا موسى u السكوت عنها، فبقى يوشع u على الحياد من التداخل في الانتقاد لكون النجاة مع الحياد فأحرى مع الاعتقاد، وأما أن يكون التفرق لاختلاف المشارب فهو من قبيل الاجتهاد الذي صاحبه عليه يثاب أخطأ أو أصاب، وقد يصدر من الشيوخ لمقاصد حسنة ولهم فيها من الغيرة على مريدهم ما فيه لهم كمال المراد لكون مريدهم في موازنهم :ـ

والمرء في ميزانه أتباعه     فاقدر بذلك قدر جاه محمد r

ونحو هذا من المقاصد التي لم يمكن معها لانتقاد منتقد ولا يجديه نفعا انتقاده على المعتقد .

المسألة الرابعة :ـ هل يصح في طريقتنا الأخذ للتبرك ؟

 

الجواب عن هذه المسألة يحتاج فيه إلى بيان المقصود من التبرك، فإن قصد به تجديد الإذن في الطريقة للمريد الأخذ من مقدّم تلقاها عنه بشروطها فله ذلك تبركا بإذن مقدّم آخر في هذه الطريقة،لأن المقدّمين متفاوتون فيما لديهم من الأسرار والمعارف والسند العالي وغير ذلك من المزايا التي تحمل المريد على طلب التجديد تبركا به وبما لديه، لأن رجال السند إلى الشيخ t لهم أسرار وأنوار يقتبس منها الأخذ عنهم بقدر ما لديهم من أذكار الطريقة تبركا من هذه الحيثية، إلا أنني رأيت شيخنا العارف بالله سيدي ومولاي احمد العبدلاوي t يستنكف عن التجديد لمن عنده الإذن في الطريقة ولا يقول به لأنه عنده الإذن من المقدّم الأول كاف، إلا إذا وقع انقطاع للمريد فحينئذ يتعين عليه المسارعة للتجديد له وقضاء ما فاته مع التوبة من العود لموجب الانقطاع، مع العهد على المحافظة على ما أذن له فيه إلى لقاء الله، وكذلك إذا وقع انقطاع للمقدّم الذي لقّنه وعرف منه الانقطاع فإنه يطلب من غيره التجديد له في الذكر الذي تلقّاه منه أوّلا، وقد كان بعض العارفين في الطريقة يختار طلب الإذن ممن اجتمع به من ذوي الخصوصية من المقدّمين في هذه الطريقة في غير الأذكار اللازمة فيها تبركا بالأخذ عنه، وأما إن قصد بالتبرك الأذن له في أذكارها لا على سبيل اللزوم في الورد والوظيفة وذكر الجمعة وإنما يذكر ذلك تبركا، فهذا لا عمل عليه عندنا في هذه الطريقة ولا يجد مريد ذلك على هذا الوجه من يلقّنه إياها من سائر من له إذن صحيح من سائر المقدّمين، إلا من تقدّم من الدخلاء الذين يترامون على تلقين العامة من غير إذن لديه في ذلك، ولا اعتداد بفعله ولو بلغ ما بلغ من الشهرة في الطريقة اللهم إذا تظاهر بإعطاء الطريقة التجانية على الإنفراد، ثم أذن له في تلقين طريقة أخرى على سبيل اللزوم أو التبرك في غير الطريقة الأحمدية وظهر عليه الفتح كما وقع لكثير من المفتوح عليهم في هذه الطريقة، كما وقع لشيخنا العارف بالله الشريف العلوي مولانا عبد المالك الضرير رحمه الله، فإنه يلقّن طريقته المالكية التي تلقاها عن الرسول r بصفة كونها متفرعة عن الطريقة التجانية، مع أذكار خاصة وله أحزاب ظاهرة الأنوار وله اجتماع بالنبي r يقظة مرارا، ومن عرف جلالته في المعرفة بالله لم يداخله شك فيما أخبر به من مرائيه النبوية، وهو من خواص المقدمين فيس الطريقة الأحمدية التجانية يلقنّها لطالبيها على استقلالها ويلقّن طريقته المالكية أيضا على استقلالها، ولم يبلغنا عنه أنه جمع الإذن فيهما معا لمن طلبه في الإذن في ذلك وربما لقّن طريقته على وجه التبرك دون الطريقة التجانية لأنها لا تلقّن على وجه التبرك، وأما أن قصد بالتبرك ذكر أورادها من غير إذن من مقدّم فإن المريد لذلك لا يجد مقدّما عنده الإذن في تلقينه في ذكر ذلك من غير التزامه لشروط الطريقة المقررة، ولا يسمى تجانيا إلا من تمسك في هذه الطريقة بالعهد المأخوذ عليه فيها، وأما أخذه على طريقة أخرى أو يكون له الخيار في ذكر الأوراد وتركها فليس في هذه الطريقة، ولا يؤذن في شيء من ذلك لمن أراد الدخول في حزبها على هذه النية، نعم إذا أراد الشخص أن يذكر أوراد هذه الطريقة في خاصة نفسه على وجه التبرك من غير إذن من مقدّم له فيها فله أن يذكر ما شاء من أذكارها وأذكار غيرها، لأنه لا يمنع أحد من ذكر الله والصلاة على رسوله r بأي صيغة من الصيغ التي يذكرها الطرقيون جمعا وانفراد، إلا أن خاصية الذكر بالإذن لا تحصل لذاكر ذلك وإن كان يكتب بذلك مزية الحب في جانب تلك الطريقة التي يذكر أذكارها ويحشر في زمرة أهلها برابطة الحب بذكر ذلك الذكر، وقد بلغنا عن سيدنا الشيخ التجاني t أنه قال:ـ << ضمن لي رسول الله r آخذ الورد والمحب والمفتوح عليه في غير طريقنا >>، ومعنى ذلك أن هؤلاء الأقسام الثلاثة موضوعون في ميزانه تكثيرا لحسناته، لأنه بكثرة التباع يعظم الانتفاع فهو بهم منتفع وهم به منتفعون، فتبيّن مما قررناه أن هذه الطريقة التجانية لا تلقّن لطالبها على وجه التبرك، بل لا تلقّن إلا لمن التزم الوفاء بشروطها ما دام حيا، نعم بلغنا عن سيدنا أنه كان يقول:ـ <<لقنوا الناس صلاة الفاتح لما أغلق ليموتوا على الإيمان>>، فهي من أذكار الطريقة التجانية إلا أنها لهذه الخاصية العظيمة المقدار تلقّن بلا شرط لطالبها، دون الأوراد اللازمة فلابد فيها من مراعاة الشروط في التلقي والتلقين وبالله التوفيق.

المسألة الخامسة:ـ هل لأوراد الطرق مطلقا أصل من

الكتاب والسنة؟ وما على المنكر ذلك؟

 

اعلم أن أوراد الشيوخ العارفين أصحاب الطرق المشهورة كلها لها أصل من السنة تستند عليه، لا في الأذكار المبتدعة ولا في النوافل المتنوعة من صلاة وغيرها، ولم يرد عن الشارع الأمر بالوقوف مع لفظ الشارع في الأدعية والصلاة على النبي r ، إلا أن لفظ الشارع u مأمون من الابهامات والايهامات مع كونه في أعلى مكانة من البلاغة مكتسيا بحلة النور من الحضرة النبوية البارز منها، ولكن لما لم يرد النهي عما اتضح معناه من ذلك وورد عن السلف الصالح صيغ الأذكار ونحوها، ولا زال الناس مقتفين أثرهم في التنافس في اختراع أبدع الصيغ وابتداع نفائس الأمداح في الحضرة الإلهية والحضرة المحمدية لم يبق شك في أن هذا الشأن فيه متسع، والمنكر لذلك لا ننكر عليه ويكفيه حرمانه من ذكر ذلك وعدم انتفاعه به، ولنزد ما ذكرناه إيضاحا بما هو مقرر في هذا الموضوع ، فقد قال محتسب الصوفية الشيخ سيدي أحمد زروق في

( قواعده) ما نصه:ـ << بساط الشريعة قاض بجواز الأخذ بما اتضح معناه من الأذكار والأدعية وإن لم يصح رواية كما نبّه عليه إبن العربي في ( السراج) وغيره، وجاءت أحاديث في تأثير الدعاء الجاري على لسان العبد والمنبعث من همته، حتى أدخل مالك رحمه الله في (موطئه) باب دعائه u قول أبي الدرداء { نامت العيون وسوات الجفون ولم يبق إلا أنت يا حي يا قيوم}، وقال u للذي دعا بـ {إني أسألك بأنك الله الأحد الصمد ...} إلى آخره ( لقد دعوت الله باسمه الأعظم)، وكذا قال للذي دعا بـ { يا ودود يا ودود يا ذا العرش المجيد....} إلى غير ذلك، فدل على أن كل واضح في معناه مستحسن في ذاته يحسن الأخذ به، سيما إن استند به لأصل شرعي كرؤيا صالحة وإلهام ثابت المزية كأحزاب الشاذلي والنووي وغيرهما، وفي أحزاب إبن سبعين كثير من المبهمات والموهمات فوجب التجنب كمحل الخطر، إلا لعالم يعتبر المعنى فلا يتقيد باللفظ فيه، والوظائف المجموعة من الحديث أكمل أمر إذ لا زيادة فيها سوى الجمع سيما إن أخذت من المشايخ، وجل أحزاب الشاذلي عند التفصيل والنظر التام للعالم بالأحاديث من ذلك والله أعلم >>اهـ ، وفيه كفاية.

أما ما على المنكر لذلك فإن إنكاره إما أن يكون إنكارا لصدور ما استوجب الإنكار من هؤلاء الشيوخ، فيقول مثلا هذا لم يصدر من هذا الشيخ لأنه لا يليق بمقام هذا الشيخ أن يقول هذا أو يفعله أو يقع بمحضره، وينسب الخطأ في ذلك لناقله فهذا الإنكار فيه الطعن للناقل، والناقل إما أن يكون رأى من ذلك الشيخ أو سمع منه ما نقله فيكون الطاعن حينئذ مكذبا لهذا الناقل أو يسري التكذيب لمن نقل عنه الناقل، والمنقول عنه إن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا فيخشى على مكذبه ما يخشى على الطاعن في أهل الله، والنجاة في التسليم وترك الطعن وأما الإيمان والتصديق للشيوخ فتلك من المزايا التي فاز بها المؤمنون بالغيب، قال العلامة إبن حجر في آخر (فتاويه):ـ <<والإيمان بطريق الصوفية أصل كبير، قال سيد الطائفة أبو القاسم الجنيد قدس سره {التصديق بطريقنا هذا ولاية} ، قال السهروردي {لأن الصوفية تميزوا بأحوال عزيزة وآثار مستغربة عند أكثر الخلق لأنهم مكاشفون بالقدر وغرائب العلوم، وإشاراتهم لعظيم أمر الله والقرب منه والإيمان بذلك إيمان بالقدرة، ولهم علوم من هذا القبيل فلا يؤمن بطريقتهم إلا من خصّه الله تعالى بمزيد عنايته}، ــ إلى أن قال ــ وجاء عن المشايخ العارفين الأئمة الوارثين أنهم قالوا [ أقل عقوبة المنكر على الصالحين أن يحرم بركتهم ــ قالوا ــ يخشى عليه سوء الخاتمة] نعوذ بالله من سوء القضاء، قال بعض العارفين [ من رأيتموه يؤذي الأولياء وينكر مواهب الأصفياء فاعلموا أنه محارب لله مبعد مطرود عن حقيقة قرب الله]، وقال الإمام المجمع على جلالته وإمامته أبو تراب النخشبي { إذا ألف القلب الإعراض عن الله صحبته الوقيعة في أهل الله تعالى }، وقال الإمام العارف شاه بن شجاع الكرماني { ما تعبّد متعبّد بأكثر من التحبب إلى أولياء الله لأن محبتهم دليل على محبة الله عز وجل، قال أبو القاسم القشيري { قبول قلوب المشايخ للمريد أصدق شاهد لسعادته، ومن ردّه قلب شيخ من الشيوخ فلا محالة يرى من غب ذلك ولو بعد حين، ومن خذل بترك حرمة الشيوخ فقد أظهر رقم شقاوته وذلك لا يخطئ } >> اهـ  المقصود منه .

وقال القطب الشعراني في كتابه (لطائف المنن) بعد كلام :ـ << وكان الشيخ عبد القادر الجيلي t يقول { من وقع في عرض وليّ ابتلاه الله بموت القلب }، وكان الشيخ أبو عبد الله القرشي t يقول { من وقع في من عض من ولي ضرب في قلبه بسهم مسموم ولم يمت حتى تفسد عقيدته فيموت على أسوأ حال }، ــ ثم قال الشعراني t ــ وكان الشيخ أبو العباس المرسي t يقول { قد تتبعنا أحوال القوم فما رأينا أحدا أنكر عليهم ومات بخير أبدا، ودخل عليّ مرة شخص فتعرض للحط على سيدي عمر بن الفارض، فقلت له تلك أمة خلت، فقال إني أتقرّب إلى الله بسبّه في المجالس، ففارقني وسافر إلى بلاد بنواحي إسكندرية فأتهم بالفجور، فحلق قاضي العسكر نصف لحيته وحاجبه وأركبه على حمار مقلوبا، ثم دخل للحمام بعد أيام فمات في المغطس الحار فوجدوه ميتا كالقرن اليابس مع أنه كان من المفتين }، ـــ ثم يقول في المنة التي نقلنا عنها ما تقدّم ــ وأجمع أهل الكشف على أنه ما أنكر أحد شيئا أخبره به أهل الكشف إلا حرم ذلك الأمر الذي أنكره، ولو بلغ الغاية في السلوك فلا يعطى ذلك الأمر عقوبة له على إنكاره وتكذيبه أولياء الله تعالى، الذين هم آياته في الأرض وبهم يرزق الناس وبهم يمطرون وبهم يدفع الله البلايا عن عباده >> إلى آخر ما ذكره وفيه كفاية.     

السؤال الثاني:ـ هل من سنة الذكر التمايل يمينا وشمالا وكذلك تغميض العينين؟ وهل يجوز الذكر من قيام يعني بخصوص طريقتنا الأحمدية؟ وما قدر السكتة بعد الذكر؟ وهل لها أصل من السنة أو من عمل الشيخ t ؟ وهل الأحسن أن يكون الذكر بشدة أو بفتور؟

الجواب:ـ عن مضمن هذا السؤال يكون بتمييز المسائل المشتمل عليها لتكون أقرب للتناول عند كل مسألة بخصوصها فنقول:ـ

المسألة الأولى:ـ هل من سنّة الذكر التمايل يمينا وشمالا؟

 

اعلم أن حلق الذكر في زمن النبي r لم تكن على الكيفية التي عليها العمل في حلق الذكر الآن، من تمايل الذاكرين يمينا وشمالا وسماع بتلحين لا بالقيام ولا بالجلوس وليست هذه الكيفتات المعهودة من السنة في شيء، إلا أن بعض الشيوخ y نظروا إلى ما يعود نفعه على المريدين مما يحرّك منهم باعث القابلية لما يرد عليهم من الحضرة القدسية، فعملوا بعمارة حلق الذكر بما أدّاه إليه اجتهادهم فيرحلون بأرواحهم إلى كعبة المعرفة، ويدخلون بهم إلى روضاتها التي يقتطفون من قطوفها الدانية مالا تكيّفه صفة، كما قال أبو مدين الغوث t من هذا المعنى :ـ

فقل للذي ينهى عن الوجد أهله     إذا لم تذق معنى شراب الهوى دعنا

إذا اهتزت الأرواح شوقا إلى اللقاء     ترقصت الأشباح يا جاهل المعنى

أما تنظر الطير المقفص يا فتى    إذا ذكر الأوطان حنّ إلى المغنى

ففرّج بالتغريد ما بفؤاده      فتضطرب الأعضاء في الحس والمعنى

ويرقص في الأقفاص شوقا إلى اللقاء      فتهتز أرباب العقول إذا غنّى

كذلك أرواح المحبين يا فتى     تهززها الأشواق للعالم الأسنى

 وفي ( المباحث الأصلية ):ـ

فعند ما نشطت النفوس     وزال عنها كسل وبؤس

وطابت القلوب بالأسرار     واستعملت نتائج الأفكار

ترنّم الحادي ببيت شعر     فاكتنفته غامضات الفكر

كل له مما استفاد شرب     هذا له قشر وهذا لبّ

فلا ينبغي التسارع للانتقاد عليهم وليس هذا الموضوع بمحل للخوض في ذلك، فلنرجع للجواب عما نحن بصدده في طريقتنا الأحمدية التجانية ولا شك أن السائل مقصوده عمل الشيخ t في ذكر الجمعة، ونحن نقول الحق ولا علينا في المنكرين لا من المعتقدين ولا من المنتقدين، فإن حلقة ذكر يوم الجمعة في طريقتنا المحمدية قد دخل فيها نوع من التصنع بحيث كاد أن يصير الذاكرون فيها من قبيل اللاعبين المتفرج عليهم، بما لم يكن عليه عمل الشيخ t ولا عمل الخاصة من أصحابه بعده، وقد صارت طائفة من الإخوان مقصودة لمن يريد عمل فرح من عرس ونحوه، فيدعوهم ليستعملوا له حلقة الذكر بكيفية لا ينبغي السكوت عن عمليتها حيث أنه لم يثبت عن الشيخ tعمل بها، أما التمايل في الذكر يمينا وشمالا فإنه ينشأ عن حال أو إثارة حال، وأصحابه أصحاب أحوال لا تسكن أنفسهم إلا به بل يجدون فيه ما يجدون فلا ننكر عليهم فيه، غير أن اللائق بالذكر أن يكون في مقامه على أتم وجوه السكينة التي لا تخل بمروءته ولا يكون فرجة لناظريه في حركاته وسكناته، وقد رغّب سيدنا t في ذكر يوم الجمعة أن يكون على هيئة السادة أصحاب الطريقة الخلوتية، ولكن لما كان المريد لا يقف عندها بمغربنا على عارف بكيفيتها كان من الأولى ترك ذلك، ويذكر المريد الهيللة سردا جمعا أو فردا مع غاية السكينة والوقار، ولكن العامة خصوصا في الزوايا الكبار لا يسمعون لمن ندبهم إلى الطريقة المثلى إلا ب---- ، وقد كان وقع لنا مع الإخوان بزاوية فاس مؤاخذة بين الجانبين، حيث كانوا يستعملون حلقة الذكر ويتمايلون تبعا لنغمات المسمّعين بعد الافتتاح بهيئة يغبطهم عليها كل ذاكر شاكر، إلا أنهم لا تمر عليهم سويعة حتى يشرعون في ذلك الاهتزاز الذي لا يليق بالموفق أن يساعد العامة عليه، وقد كنت مع شيخنا العلامة الرئيس سيدي الحاج عبد الكريم بنيس رحمه الله في غالب الجمع التي نحضر فيها للذكر يوم الجمعة مع الإخوان بالزاوية الشريفة بفاس، نذكر عدد الهيللة سردا معهم فإذا شرعوا في السماع والذكر بتلك الكيفية التي اعتادوها نقوم ونخرج من الزاوية، أو نقوم لمحل بعيد عن العمارة التي هم بها مشتغلون حتى نتمم عدد الذكر المطلوب ونخرج، ولقد أتاني مرة أحد المسمّعين المكلفين بالغناء وسط حلقة الذكر، وقال لي مستفهما عن سبب قيامنا حين يشرعون في تلك الكيفية ومقصوده التنكيت علينا في ذلك، فقلت له {إنكم حين تكونون تذكرون نذكر معكم، فإذا صرتم تلعبون نخرج ولا يليق اللعب في حضرة الشيخ t }، فتأثر من جوابي وأسر ذلك في نفسه وتحزّب مع بعض المتعصبين لمراده في النكير علينا فيما أنكرناه عليهم، حتى قيّض الله مجيء حفيد الشيخ t العارف بالله سيدي محمّد بن مولانا البشير بن مولانا الحبيب بن سيدنا الشيخ قدّس سره، وحضر في ذلك يوم الجمعة وشاهد ما عليه الإخوان حالة الذكر على تلك الهيئة وكنت جالسا بجنبه، فالتفت إلى المقدّم الكبير البركة سيدي الحاج الطيب السفياني وقال له << أيكون هذا الذكر على هذه الكيفية بالزاوية ولا ينكره علماء الطريقة ويكفوا العامة عن ذلك >>، والتفت إليّ لأخبره بما لديّ فشرحت له ما وقع منّي من الإنكار في ذلك ليرجعوا لعمل الشيخ فلم يمتثلوا، فحينئذ أكّد على المقدّم المذكور في منعهم من الذكر على تلك الحالة فصدر الأمر بذلك، فاستجاب كل موفق من ذلك الوقت وصاروا يذكرون ذلك جماعة من غير شطح ولا ردح، وإلى مازال بعض من اعتادوا عمارة الحلقة بتلك الكيفية لم يرجعوا لما لهم فيه من الأغراض الشخصية عفا الله عنّا وعنهم، وقد زرت في هذه الأيام الأخيرة زاوية الشيخ t وحضرت مع الإخوان ذكر يوم الجمعة، فوجدتهم كادوا أن يرجعوا لحالتهم الأولى لأنهم صاروا يذكرون بالجلوس مع التمايل يمينا وشمالا بتلحين وتمطيط في جل الذكر بما لم يكن من عمل الشيخ t ، فإنه خرج مرة على أصحابه فوجدهم يمطّطون في ذكر الهيللة ويلحّنون فيها وهم في حلقة الذكر، فقال t لهم :ـ << أي شيء هذا أي شيء هذا لا إله إلا الله لا إله إلا الله >>، فأرشدهم t للذكر بالكيفية المشروعة باعتبار المد الطبيعي في سردها من غير تلحين خارج عن الذكر المطلوب، فتبيّن لك أن الذكر في الجماعة بعد عصر يوم الجمعة عندنا في الطريقة التجانية لا تمايل فيه، ولا ننكره على فاعله في غير طريقتنا من سائر الطرق بالجلوس ولا بالقيام ولا بأس بالذكر في طريقتنا التجانية بالكيفية التي عليها الطريقة الخلوتية، لمن يعرفها ويحسن عملها كما هو مقرر عندنا، غير أن تلك الكيفية دخلتها بدع في كل مجمع فالأولى في الذكر أن يكون سردا جمعا وفردا، من غير تمايل ولا تلحين ولا بأس بالذكر بالقيام في الزاوية قرب الختام وبالله التوفيق.

المسألة الثانية:ـ هل من سنة الذكر تغميض العينين؟

 

اعلم أن تغميض العينين في حال الذكر في غير طريقتنا التجانية هو عندهم من الآداب التي تطلب من الذاكر المحافظة عليها، لأنه يدعو إلى الحضور فيه مع عدم النظر إلى شاغل عما هو بصدده ولم يعمل به الشيخ t ولا من بعده من المقدّمين الذين عليهم المدار في طريقته الأحمدية، غير أنه ليس بمكروه فللذاكر أن يغمض عينيه في حال الذكر والورد والوظيفة، إلا أن الذي تلقيناه من المفتوح عليهم ممن اجتمعنا من العارفين بأسرار الطريقة أن المريد حال قراءة الوظيفة في جماعة الإخوان ينبغي له أن ينظر إلى وجوه الإخوان الحاضرين معه، ليقتبس من أنوارهم باطنا لأنه لا يخلو جمعهم من مفتوح عليه ينفذ سره في سر الناظر إليه، وهكذا نقول في حال الذكر جماعة ولا يعد هذا من شغل الفكر عن التدبر في معاني الذكر، فإن تغميض العينين مع السكون قد يكون وسيلة في السكوت عن الذكر بحصول سنة بنوم خفيف أو ثقيل بمن غمّض عينيه حال الذكر، على أنه عندنا في الطريقة لا ينبغي أن يشغل الذاكر الذي يفتح عينيه فكره بإيقاظ من يذكر بحضرته في الجماعة، لأنه يفوته من الخير بقدر شغل فكره عن ذكره ولا عليه بمن نام بمحضره حتى لا يشتغل به عما هو بصدده، وقد تعرّض العارف بالله الشيخ عمر الفوتي رحمه الله في كتابه ( الرماح ) لتغميض العينين حال الذكر، وأن ذلك من الآداب المنوطة به حسبما هو مقرر في بعض الطرق، وقد تبعه على ذلك بعض من ألّف في طريقنا التجانية مع أنه غير مطلوب في طريقنا وليس من سنّة الذكر عندنا، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .

 

المسألة الثالثة:ـ هل يجوز الذكر من قيام بخصوص

 طريقتنا الأحمدية؟

 

اعلم أنه يجوز الذكر بالقيام عندنا في الطريقة في كر يوم الجمعة وفي سائر الأذكار اللازمة فيها في الابتداء والأثناء والختام، إلا أن الجلوس له أولى لما في الجلوس من الإشعار بالأدب والإقبال على الذكر بالكلية التي تكون فيها القابلية لما يرد من نتائج الذكر، ومع هذا فإن المدار في كل طريقة هو على ما يشير به شيخنا أو نائبه قيد حياته أو بعدها، حسبما يقضي به حال السالك من الذكر بالقيام والجلوس لأن الشيخ بين مريديه كالطبيب فيعالجهم بما اقتضاه نظره، وقد كان عمل الشيخ التجاني t على الذكر بالجلوس كما بلغنا عنه، إلا أن الإخوان الذين يعمرون حلقة الذكر عشية يوم الجمعة كانوا يذكرون بالجلوس حتى إذا حمي وطيس الذكر وقرب الغروب يقومون إجلالا لذكر اسم الجلالة بعدد غير محصور بصيغة الله حي الله، الله حي، ويزعم البعض منهم أن عمل الشيخ كان عليه ثم يجلسون عند آذان المغرب، ويختمون الذكر بعد أن يتلو بعضهم آية تناسب الحالة التي كانوا عليها من الذكر، وقد شاهدت مرارا في وسط الحلقة حالة القيام العلامة المرحوم محمد فتحا كنون مؤلف (حل الإقبال في شرح جوهرة الكمال)، وغيره من علماء الطريقة الذين يقتدى بهم فيها ولا يكون عملهم هذا إلا باستناد على الشيخ t أو خاصة أصحابه الذين تلقوا عنهم ذلك، وقد كان في قلبي شيء من الهيئة التي كانوا عليها إلى أن زاد العامة فيها حركات واهتزازات، بما صار الذكر سردا أولى من تلك العمارة التي كادت أن تعد من قبيل اللعب لا بالقيام ولا بالقعود، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .

المسألة الرابعة:ـ ما قدر السكتة بعد الذكر؟وهل لها

أصل من السنة أو عمل الشيخt

 

قد ذكر العارف الفوتي في كتابه (الرماح):ـ << أن من آداب الذكر أن يسكت إذا ختم ذكره ، ويستحضر الذكر بإجرائه على قلبه مترقبا لوارد الذكر فلعله يرد عليه وارد في لمحة يغمر وجوده في لحظة ما لا تغمره المجاهدة والرياضة في ثلاثين سنة، وهذا الوارد إما وارد زهد أو ورع أو تحمّل أذى أو سخاء أو كشف أو محبة أو غير ذلك، فإذا سكت وسكن وحبس نفسه مرارا دار الوارد في جميع عوالمه فيجب عليه التمهل حتى يتمكن وإلا ذهب >> هكذا قال رحمه الله، ولعل هذه السكتة من الآداب المنوطة بذكر غير طريقتنا الأحمدية، وأما السكوت الذي عندنا بعد ذكر الجمعة إنما هو لسماع آية شريفة يتلوها من يحسن التلاوة ويجوّدها تجويدا يؤثر في النفوس خشوعا بتدبر تام، تحصل بها تذكرة وبشرى للذاكرين ثم يختمون بالفاتحة ويتصافحون بيد الإخاء ثم يقومون لأداء صلاة المغرب، هذا الذي نعرفه من عمل الإخوان في الزاوية التي بها ضريح الشيخ t ولا زال عملهم عليه بعد ختم الذكر إلى الآن .

المسألة الخامسة:ـ هل الأحسن أن يكون الذكر بشدة أو بفتور؟

 

الأحسن عندنا في طريقتنا الأحمدية التجانية أن يكون الذكر على هيئة لا إخلال فيها بالأدب اللائق بالذاكر، فإن خير الأمور الوسط والنتيجة حاصلة للذاكر على أي حالة كان عليها، إلا أن الأولى به أن لا يخرج إلى حد ينتهي معه الأدب ويستلفت به الأنظار إليه، سيما إذا أضاف إلى ذلك حركات وتخليط أصوات، وأن كان ورد ما يقضي برفع الصوت في بعض الأذكار إلى أقصى غاية ليشهد للذاكر كل من سمعه، ولكن الموضوع هنا في ذكر خاص، وعلى كل حال فالمدار في ذلك على ما يشير به شيخ الطريقة التي سلك عليها المريد في ذكره بفتور أو بشدة، فلا ينبغي له فيها أن يتعدى حده والله الموفق .

السؤال الثالث:ـ ماذا على تارك الحضرة الجمعية تهاونا بها أواشتغالا بالدنيا عنها فتارة يحضرها وتارة لا يحضرها؟ وهل الغروب المقصود فيها حقيقة أو مجازا؟ وهل الأفضل في الجلوس لها التحليق أو الصف؟ وما حكم من دخل ووجد الناس في الحضرة وانعزل وحده يقرأ الورد وأبى أن يدخل معهم حتى خلّص ورده؟ فهل كان الواجب عليه الجلوس معهم أو ما عمله؟

الجواب:ـ قد تقرر في طريقتنا التجانية المحمدية أن أذكارها اللازمة لمريدها هي الورد والوظيفة وذكر يوم الجمعة، فمن قام بهذه الأذكار ووفّى بها على الوجه المشروط فيها كان مريدا تجانيا، ومن لم يقم بها وتهاون بركن منها بعد التزامه لها وجب عليه التجديد بعد التوبة، لأن هذه الأذكار هي التي انبنت عليها الطريقة والمراد بالتهاون هنا الترك، ويقل انتفاع المريد فيها إذا كان ملازما لهذه الأذكار اللازمة مع ترك القيام التام بها على الوجه المشروط، بمعنى أنه يؤخر أوراده عن أوقتها أو يجمعها من غير عذر أو يفوته ذكر الجمعة مثلا بفوات وقته، أو ترك الحضور للوظيفة مع الإخوان لغير عذر، فمن اشتغل بالدنيا عن حضور ذكر الحضرة الجمعية حتى فاته الذكر مرارا تهاونا بذلك ولم يذكر وحده قبل الغروب، وتكرر منه ذلك مرارا تعيّن عليه التجديد لأن ذكر الجمعة من الأذكار اللازمة للمريد، فلابد له من تلاوته ولو بلا وضوء قبل فواته بالغروب وترك حضور للجماعة فيه لا ضرر فيه عليه إلا أنه يفوته الخير الكبير، وقد قال الشيخ t لرجل حضر ذكر يوم الجمعة ولم يدخل الحلقة <<أما فاتك من خير؟>>، فإن يد الله مع الجماعة ويحب الذين يقاتلون في سبيله صفا، وقد جعل العارفون ذكر الجماعة من هذا القبيل ولا يبحث معهم فيه لأنهم أعلى من غيرهم ممن لم يسلك معهم في هذا السبيل، فذكر الجماعة أولى من الانفراد والسرد سرا للعدد المحدود في غير الجمع أولى للمنفرد من الترك، والتحليق في ذكر الجماعة مثله الصف في ذكرهم لأن المدار على الجمع، لكن مع الانضمام وترك التفرقة بين الذاكرين كالصف القائم للصلاة، أما حكم من دخل ووجد الناس في الحضرة فإن كان ذكر العدد المنوط به سرا أو انعزل لذكر ورده أو غيره من غير تشويش على احد فلا شيء عليه، وكل من فعل ما يشوّش به في الذكر فقد أساء في فعله ولا شيء عليه إذا ذكر ذكرا من غير تشويش ودخل مع الجماعة بعد ذلك، ولحق معهم الذكر قبل الغروب ولو بذكر مرة واحدة من الهيللة معهم فيعد كالذاكر من أول الذكر، إلا أن الفضل مع ذكر الجماعة ابتداء وانتهاء، وأما إذا أراد الخروج من الجماعة المشتغلين بالذكر فلابد من أدائه للعدد المأمور به سردا قبل الغروب في الزاوية وخارجها، وكثيرا ما رأينا من علماء الطريقة من يذكر ذكر يوم الجمعة وحده منفردا عن جماعة الأخوان المحلّقين للذكر، ثم يخرج من الزاوية إذا أتم ذكره ولربما ذكر ورد عشيّته قبل الاشتغال بالذكر أو بعده ذكره العدد سردا، وكنت أنا أعمل بذلك سيما إذا اشتغلوا بالذكر بالتلحين والتمايل يمينا وشمالا بما يكاد يخرج عن هيئة الذكر، والله الموفق .

السؤال الرابع :ـ هل يجوز أداء الورد والوظيفة بالسرير من غير علة أو لا يجوز إلا لعلة؟ وإذا كان لا يتيسر الجمع في الوظيفة لعدة موانع عادية، فهل الانفراد في قراءتها مخل بشيء من العهد أم لا؟

الجواب:ـ من المعلوم أنه يشترط في ذكر الوظيفة والورد طهارة محل الجلوس للذكر، فإذا كان السرير طاهرا فلا بأس بتلاوة ذلك عليه ولو بلا علة إلا أن الحضور غالبا لا يكون مع الجالس على السرير إلا لعلة فيه تشعر به في الاتجاه للذكر، فإن الجالس على السرير غالب حاله يكون في غفلة عما هو بصدده من الذكر، أما الانفراد بقراءة الوظيفة لموانع الحضور في الجماعة فلا شيء فيه، وإنما القبيح ترك الحضور مع جماعة الإخوان تهاونا بشأن الجمع المطلوب فيها، وترك الوظيفة رأسا هو المخل بالعهد والأفضل فيها قراءتها جماعة وفي المنية:ـ

وتركه لغير عذر شرعي     أو كل الأوقات له ذو منع

وربما أدى بتارك الحضور مع الجماعة فيها للانقطاع إن دام على ذلك لتهاونه، والله الموفق .

السؤال الخامس:ـ جرت العادة بأن بعض الإخوان يرفعون أيديهم في الثانية عشر من جوهرة الكمال، فهل هذا الرفع أمر به الشيخ t أو أحدث من بعده؟ وكيف العمل في ذلك؟ وهل الثوب ينشر عند قراءة السابعة منها ولا يعد هذا اشتغالا عن الذكر أو قبل الشروع في قراءتها؟

الجواب:ـ قد كان عدد جوهرة الكمال في الوظيفة إحدى عشرة مرة عدد حروف الاسم الأعظم، وبالحادية عشر منها كان يختم الشيخ t الوظيفة وعند الفاتحة يرفع يديه، ثم عمل أصحابه قيد حياته بحضوره على ختم الوظيفة بزيادة واحدة من الجوهرة على العدد المذكور ويرفعون أيديهم عند الثانية عشر المزيدة، فكان العدد عدد البروج الإثني عشر ولم ينههم الشيخ t لا عن الزيادة ولا عن رفع الأيدي، بل كان يرفع يده معهم ويرفعها حالة الدعاء وحالة الفاتحة، وليس رفع الأيدي عند الدعاء ببدعة في الدين خلافا لمن توهّم حدوثه، بل كان النبي r يرفع يديه كما ورد في بعض الأحاديث حتى يبدو بياض إبطه الشريف .

أما نشر الثوب فقد قال فيه ناظم المنية:ـ

ونشرنا للثوب ليس يجب     على الذي يذكرها بل يندب

وشيخنا فعل ذا بمحضره     فدع مقالة جهول منكره

ويكون عند ابتداء قراءة جوهرة الكمال ويجوز عند ابتداء الوظيفة، ولكن الأفضل عند الجوهرة لما في ذلك من تحقق الطهارة المائية للبقعة التي فيها ولهذا يطوى ذلك الثوب ولا يستعمل إلا عندها، كما كان ينشر بباب دار الشيخ t في ابتداء الطريقة قبل إنشاء الزاوية وكان الشيخ يحضر مع الإخوان حال قراءتها والبقعة طاهرة حكما، وقد ألحق بعض المتقوّلين على الطريقة مالم يقله الشيخ t ولا أحد من أصحابه من كون ذلك الثوب ينشر ليجلس عليه النبي r، وذلك من هؤلاء المبغضين تهكما على نشرهم له وعلق على ذلك انتقادات لا يقبلها منهم غير جاهل بالطريقة، على أنهلا يبعد جلوس النبي r وخلفائه الأربعة y عليه حالة حضورهم للجوهرة كما شاهد ذلك جماعة من المفتوح عليهم في هذه الطريقة، وقد كان أخبرني محبنا أحد العارفين بالاسم الأعظم ممن ظهر عليهم الفتح بين الإخوان أبو قحافة السيد أبوبكر بن دله الحسني، بأنه كان يشاهد في بعض الأحيان بالزاوية التجانية بفاس وهو جالس قبالة الضريح الشريف بها حال قراءة الإخوان للوظيفة، بعد نشر الثوب في جوهرة الكمال النبي r يمر على الثوب والشيخ t خارج القبر متلقيّا للنبي r ، فتارة يجلسون إلى ختم الوظيفة وتارة يغيبون عن بصره، ولا موجب لاختلاق هذا الشريف لما يراه لأنه حدثني بذلك على وجه السر مع تحققي بصدقه، عندما حدثته بأني حالة صغري حين كنت أحضر مع جدي البركة سيدي الحاج عبد الرحمان سكيرج رحمه الله لقراءة الوظيفة بعد نشر الثوب، فأرى الإزار يرتفع من وسطه في وسط جماعة من الإخوان حتى كأنه من تحته مارون إلى ضريح الشيخ t ، فكنت اعتقد أنه النبي r ومن معه حضروا للجوهرة ويحصل في ذلك عظيم وجدان مع كمال تعظيم وعظيم خشوع، وكان يتخيّل لي أن الناس كلهم يرون ذلك فمن ذلك الوقت وحب الطريقة متمكن من قلبي حتى تقلدت بقلادتها بعد وفاة جدي المذكورt ، بعد ملازمتي الحضور مع والدي سيدي الحاج العياشي سكيرج قدس سره في كل جمعة للوظيفة والذكر، وبعد ذلك لم يكن المشهد يقع لي مثل ما كان يقع مع ملازمتي للأدب اللائق بالمقام، فحينئذ أخبرني الشريف المذكور بما كان يراه، ولم يكن نشره لهذا المقصد وإنما لتحقيق طهارة المحل طبق ما نبهنا عليه، ولا يقال أن تحقيق الطهارة لابد في المكان الذي يصلي فيه كما هو من شروط الصحة وفي الثوب والذات أيضا، لأن المقصود من تحقيق الطهارة اليقين التام فالطهارة الكاملة مع النظافة التامة، ولقد كان حدثني شيخنا العارف بالله سيدي ومولاي أحمد العبدلاوي t بأن بعض أصحاب سيدنا t كان بقالا، وكان يقرأ الوظيفة داخل حانوته إذا فرغ من البيع في محل أعده لذلك، فبينما هو يتلو الجوهرة في اليوم الذي أتاه يخبره فيه بما وقع له إذ رأى النبي r مع الخلفاء الأربع، وأبوبكر  يقول له {أما تستحي تأتي بالنبي r كل يوم إلى هذا المحل }، وكان المحل طاهرا غير نظيف ثم غابوا عن بصره، فرفع ما وقع له لشيخنا المذكور خائفا على نفسه من الانقطاع وأخبره بأنه لا ينقطع بسبب ذلك، غير أنه أخذته من ذلك الوقت رعدة حمى لازمته نحو ثلاثة أيام وتوفي رحمه الله، فالوظيفة تصح بلا ثوب في مكان طاهر ولكن لابد من التحقق وتطمئن النفس بنشر الثوب المعد لذلك، ثم أنه لا يعد نشر الثوب شغلا عن ذكر الوظيفة مع الإخوان إلا إذا اشتغل ناشره بكلام آخر ليس من الذكر المشتغل به الإخوان، إلا أنه ينبغي لناشره أن لا يشغل فكره عما هو بصدده بشيء آخر، وإن كان الأولى أن يكون المكلف بنشر الثوب ممن قرؤوا الوظيفة، أو ممن يقرءونها بعد ليكون تام الاستحضار لمعاني ما يذكره مع أن هذا كله لا يشغل الذاكر عن ذكره بفعله، لكونه أمرا خفيفا حسبما يتبين ذلك مما قررناه، وبالله التوفيق .

السؤال السادس:ـ لا حظر على التجاني في حضور مجالس الصالحين لأخذ العلم وسماع الحسن من كلامهم، فإذا قال نفعنا الله بهم وقصد نفع ما هو مأذون فيه، فهل ثم منع؟ فإذا كان لا منع فالأمر ظاهر، وإن كان ثم منع قلنا إن كانت العلة في منع الدعاء بما ذكر التفات القلب لطلب المنفعة فهي حاصلة بنفس العلم فلتكن على وزانه .

الجواب:ـ لا يخفى عنك أن المراد بمنع المريد من التعلق بغير شيخه واستمداده منه هو جمع قلب المريد على الله بما يرشده إليه شيخه، ولا يتمكّن نفوذ سر شيخه فيه إلا إذا كان مذعنا لأوامره بطيب نفسه بانقطاع تشوّفه عن غيره في نيل مقصوده، ولا ينجح سعي المريد ما دام متشوفا لغير مرشده وهذا أصل أصيل عليه مبنى طريق الشيوخ، وكل شيخ ناصح لمريديه يمنعهم من أول أمره من التشوف لغيره:ـ

فإن رقيب الالتفات لغيره      يقول لمحبوب السراية لا تسري

فإذا تمكن حب الشيخ في قلب مريده ولم يبق له تشوف ولا التفات لغيره فلا منع له في حضور مجالس الصالحين لأخذ العلم وسماع الحسن من كلامهم، بل ولا التخلق بمكارم أخلاقهم والمحروم من حرم بركة أهل زمانه بسوء الأدب معهم، فإذا قال نفعنا الله بهم وقصد نفع ما هو مأذون فيه أو النفع بعلومهم ومعارفهم ونحو ذلك، مما فيه هدايته وصلاح أحواله بدعائهم الصالح وبما أخذه عنهم من علومهم وأسانيدهم والسند من الدين فهذا من شيم الهادين المهتدين، والأخذ للعلوم عن أهل الصلاح من شيم المفتوح عليهم ببركة عطفة شيوخهم، وإذا لم يأخذ المريد عن العلم عن العاملين به وهم الصالحون حقيقة:ـ

والصالحون هم الذين بعلمهم     عملوا وهل ليس يعمل رابح

من لم يكن بالعلم يعمل في الورى     ما هو إلا طالح لا صالح

غير أن المريد العامي الذي لا يعرف معنى الطريقة ولا ما هو المقصود من السلوك بين ذوي الحقيقة قد منعه من ذلك بعض الشيوخ، ليتم له بانفراد الوجهة فيما هو بصدده فهو ممنوع من الزيارة وما هو في معناها إلا إذا تحقق بالعمل لله، وقد قال الولي الصالح سيدي العربي بن السائح رحمه الله :ـ<< العامة أمثالنا لا يعرفون العمل لله>>، فكل ما يشعر بطلب الاستمداد الباطني والتعلق الباطني مما يؤدي إلى الالتفات فهو ممنوع منه، وليس أخذ العلم وسرد كتب الصالحين التي انطوت على الأدعية الخصوصية والعمومية من قبيل ذلك فلا حرج على المريد في ذلك بحول الله، وكل ما يخالف هذا الذي نقرره هنا إما غلط منا في تقريره أو فهم من كلامنا ما لم نقصده، فالمدار في هذا كله على عدم الاستمداد والتعلق الباطنيين وكل ما لا التفات فيه ولا يمكن تشتيت شمل الوجهة فلا بأس به بحول الله، فإن طرأ حال على المريد أثناء ذلك فليعمل على التثبت في طريقه بما لا يوقعه في انقطاع وليكن على بصيرة من الوارد الذي يطرأ عليه، ليقابله بالإذعان لما بصره به من الالتفات عما هو بصدده، فإن رائد التوفيق يسوقه إليه ليبادر بالتوبة مع الوقوف موقف الاحترام فيما عسى أن يراه في ذلك المقام، ولقد حصل من التربية لبعض خواص أصحاب سيدنا t في مثل ما نحن بصدده من إيضاح الحق في هذه النازلة، فكان مشغوفا بمطالعة كتب القطب الشعراني فحصل له في بعض الأحيان استعظام منقبة من مناقب بعض الشيوخ الذين تعرض لذكرهم في مؤلف كان منكبا على مطالعته، فإذا بالشيخ التجاني t يهزه من سنة غفلته وهو يقول له<< ما هذا يا فلان أشعراني أنت>> وذلك بعد وفاة الشيخ t ، وبعدما رجع إليه رشده بعد غيبة صورة الشيخ t في تلك الحضرة عن نظره عرف ما صدر منه، فتاب من ذنب الالتفات وتحقق بغاية الحق به بصدق المحبة في هذا الجناب متحققا، فإن للشيوخ غيرة كل من لم يراعها في شيخه لم ينل خيره ومع ذلك يتعيّن عليه أن يعطي المقام حقه خشية سوء الأدب على أهل الحق المنتصر لهم في ظهر الغيب، على أن طلب الانتفاع بالعلم وأخذه عن الشيوخ y مطلوب والدعاء بما دعوا به لأنفسهم وللآخذين عنهم ذلك من الأمر المحبوب فلا بأس إن شاء الله، بحكاية دعاء المؤلفين بنحو نفعنا الله بهم والمقصود النفع بما انتفعوا به من العلم والعمل به، إلا ما أدى إلى التفات الوجهة بتعلق أو استمداد فهو ممنوع في الطريقة، وليس طلب الانتفاع بالعلم والعمل به من قبيل التعلق والاستمداد، لأنه في هذين الأخيرين التفات من المريد عن شيخه وعدم اكتفائه به في السلوك فيما أمره بالتزامه، ولا تجد أحدا من الشيوخ يمنع مريده من أخذ العلم والعمل به، شيء آخر فإن الحق لا يعبد إلا بالعلم ولابد من أخذه عن أهله وإلا بقى المريد مقيّدا بحبل جهله وذلك مراد الشيطان منه، فعلامة انتفاع المريد بشيخه أن يوفقه الله لأخذ العلم عن أهله ممن عملوا به أكثر ممن لم يعملوا به، وإذا لم يكن أهل العلم والعمل به أولياء فليس لله من وليّ، ولا شك أن التعلق والاستمداد منهم مداره على القلب، ويحتاج في هذا المقام إلى مزيد تثبت واحتراس تام من الموضوع في عين ما هو منه على حرز، فينبغي للمريد أن يعيد النظر المرة بعد المرة حتى يفهم المراد من التعلق والاستمداد، ولعلّنا هنا لم نستوف المقام حقه من الإيضاح فنقول أن التعلق والاستمداد على أنواع متنوعة، بحسب المقاصد في الظاهر والباطن مرجع جميعها إلى ما يعد التفاتا عن الشيخ قيد حياته وبعدها، فكل ما يقضي بسقوط حرمة الشيخ من قلب المريد أو يفضي إلى رفض الورد فهو ممنوع، واعتبر هذا الأمر في زيارة المريد لغير شيخه وانصب لها ميزان اختبار توزن بها مقاصده في هذه الزيارة، فإن كانت من المريد غير سالمة مما يشوبها من الأغراض الشخصية فمن باب قول صاحب المنية:ـ

وكل من أخذ عن شيخ وزار     سواه لم ينفع به ولا المزار

وإن كانت سالمة فهي من قبيل العمل المراد به وجه الله تعالى، فللعارف بها حكم يخصّه والعامة لا يعرفون ذلك، فيتعيّن عليهم تجديد الإذن من المقدم الذي عنده الإذن الصحيح بالتلقين، ولقد كان وقع لي فيما مضى أوائل تقيّدي بالطريقة مساعدة مني لبعض المحبين في الشيخ سيدي ماء العينين t ، فيما اقترحه عليّ من إنشاء قصيدة في مدح جنابه فاستعملت قصيدة مطلعها:ـ

لفرط حبي أرى حبي أراق دمي     وفي طريق سواه ما أرى قدمي

فدخل عليه بذاك سرور وفي ضمن هذا المطلع سر مستور، وبلغ الخبر العلاّمة أبي الفتح كنون وكان شديد التمسك بحبل الطريق شأن الآخذ بالاحتياط لما ينفعه في سلوك طريق الجد بالجد، وبعد أيام اجتمعت به فلامني على ما صدر مني مما يرى أنه أدى إلى الالتفات عن الشيخ بالتعلق بالشيخ المذكور والاستمداد منه بتلك القصيدة، وأشار عليّ بالتجديد فأخبرته بالمقصود من تلك القصيدة وما بنيتها عليه من النيّة السديدة، فلم تسمح له نفسه بموافقتي بالتساهل في ذلك وبقيت مصرّا على ما أنا عليه، حتى قضى الله بتلقي الطريقة في التقديم فيها على يد جماعة من خاصة المقدمين، فاطمأن الصدر بذلك ولله الحمد واندفع عنّي ما كان يخطر بالبال من الانقطاع عن الطرقة بذاك، فليحذر المريد الذي لا معرفة له بحقيقة الطريقة من الوقوع فيما هو ممنوع منه خشية القطيعة بجهل الحقيقة، وفي هذا كفاية وبالله التوفيق .

السؤال السابع:ـ إذا كنت في قراءة الورد أو الوظيفة وخصوصا إذا كنت في جوهرة الكمال وخطر عليّ خاطر، فقبل صرفه يرتجّ عليّ في القراءة حتى أكرّر الصيغة المشغول بها مرارا على لساني، وبصرف الخاطر يقف لساني عن التكرير ويعد لمسلكه الأول، فهل هذا التكرير يحتاج لجبر أم لا؟ وما العلاج النافع في صرف هذه الخواطر؟

الجواب:ـ لا يقف مع توارد الخواطر عليه في شيء واحد إلا من لا معرفة له بما وراء ذلك مما يمنعه عن الوصول لمراده، ولذلك أمر ذوواليقين في العزم على الشيء بالشروع فيه من غير تردد بمقتضى (إذا عزمت فتوكل على الله)، ولقد أرشد سيدنا الشيخ t أصحابه بالأخذ بالخاطر الأول في شيء من الأشياء، وإذا لم يقف المريد مع أول خاطر تشتّت فكرته وبقي كالريشة في يد الأرياح، ترمي بها من هنا إلى هنا ولا تقف مع اضطراب إلا في حصن ترمي بها فيه، على أن الخواطر التي تطرأ على الذاكر إنما جلها وساوس إن تكن كلها تطرق باب القلب عن التفكر في معنى الذكر المشروع فيه وحال تلاوته، فتعيّن على من ابتلي بهذا الداء النفسي انتشال النفس من مخالبه الفتاكة بالتفكر في الذكر وما انطوى عليه من السر، ولا دواء له إلا العزم على الخاطر الأول والإعراض عنه بسماع ألفاظ الذكر، باستحضار قلب مع تخويف النفس في التساهل في تكرير الشيء من غير أن يرد الذاكر فيه باله، فإن الزيادة في الشيء قد تفضي إلى بطلانه، ويكون حينئذ الذاكر الذي تتوارد عليه الخواطر العديدة في يد الأوهام كما أشرنا إليه، فيتعيّن عليه إعمال ما في طاقته من محاربة ما يرد عليه منها واستفراغ باله بالإعراض عن ذكره في وقت توارد الخواطر حتى يكون البال فارغا من تلك الواردات لا في جوهرة الكمال ولا في غيرها، أما في جوهرة الكمال فهو مطالب للكمال فيها بتلاوتها جماعة ليحمل الإمام ما يحصل من الذاكر معه بإزاده أو نقصه من غير تعمّد ذلك، لكون المتعمّد من قبيل المتلاعب المستهزئ والتلاعب بالأذكار يفضي إلى الإضرار مع تشتت الأفكار، فأما إن كان الذاكر منفردا فتكريره للذكر يعد منه زيادة فعليه جبرها بمائة من الاستغفار للزيادة، وبثلاث من جوهرة الكمال لما حصل منه مما يدل على عدم حضوره واستحضاره ليكمل بذلك ذكره ولا يفوته سره، والغالب على من يحصل له الارتجاج في الذكر أن يكون مشتت الفكرة ولا يحضر باله حالة ذكره، ولا يبعد من هذه أن يبدل صيغة في ذكره بصيغة أو يخلط في أذكاره ويستولي عليه الوهم، الذي يتمكّن منه ولا يخرج من قيده إلا برياضة النفس وإلزامها بالحضور وترهيب النفس بالجولان مع الخواطر في ميادين الذكر بما يحرّك اللسان في تكرير الذكر بغير شعور، أو يرتج على الذاكر فيه كما هنا وفي هذا كفاية .       

السؤال الثامن:ـ هل التجاني بحسب ما له من الفضيلة لتقلدّه بالعهد الأحمدي المحمدي أن يرى طريقه من أفضل الطرق وأحسنها ولا يعبأ بغيرها؟ أو الأحسن له أن يرى المساواة في كل الطرق ولكن هذه الطريقة أقرب الطرق إلى الوصول لله تعالى ، وما اختصت به عن غيرها من الفضائل فهو من قبيل المزية والمزية لا تقتضي الأفضلية .

الجواب:ـ الأحسن للمريد أن يعمل بمقتضى اعتقاده في مذهبه الذي هو متقيد به من المذاهب الأربع متحقق بان سائرها على هدى من الله، ولا يضره إن شاء الله ما نراه نفسه التي اطمأنت بالركون إلى المذهب الذي اختاره بأن يعتقد أنه أفضل من غيره وأقرب سلوكا للتحصيل على مراده، ولا شك أن العاقل إذا لم يتحقق لديه بأن ما هو عليه أفضل مما عليه غيره لم يختر السلوك عليه بتقدّمه على غيره، وإنما الذي يضر المقلد وبالأخص المتقيّد بعهد الطرق أن يزدري ببقية الطرق وتفسد نيته فيها ولا يقول بها، ويتقوّل على طريقة تقوّلات كاذبة سيما في اختلاق فضائل لها مما لا أصل له، أو ما يؤدي إلى القطيعة بين غيرها من الطرق بتنقيص ما هم عليه، وإطلاق الألسنة في مريديها ومحبيها ونحو ذلك مما يؤدي إلى الشحناء والبغضاء والتدابر والتقاطع مما عليه غالب جهلة الطرق، مما أفضى إلى انقطاع حبل المتمسكين بها ووجدت عصبية أمم الإنكار سبيلا لفتح أفواههم بالتضليل والتكفير لمن سلك سبيل الصوفية أو إنحاش إلى طريقة من طرائقهم، ونسبوا السالكين على الطرق إلى ما به هذا عليه بنحو التدابر الواقع بين المريدين في الطريقة الواحدة فأحرى مع تعدد الطرق وفقرائها، وشمل طعنهم المحق والمبطل، وأما المزايا وإن كانت لا تقتضي التفضيل فهي من المرغبات عما ليست له تلك المزايا إلى ما فيه، وليس اعتقاد التفضيل من شرط الطريقة المفتوح أبوابها لسلوك المريدين عليها، غير أن جل العارفين نصوا على أنه ينبغي للمريد أن ينظر طريقة على سائر الطرق كما يفضّل الإسلام على سائر النحل والملل، ليكون راسخا في سلوكه غير ملتفت لغير ما هو عليه ولا يضره هذا الأمر إلا إذا تحقق بأن ما هو عليه لا شيء في جانب غيره ، أو قليل فضله وخيره بالنسبة لما في غيره في سره وجهره، فهو حينئذ مطالب بإنصاف نفسه من نفسه باختياره لها هل هو الأليق بها وما هو خير لها مع الوفاء بالعهود المأخوذة عليه، ولا يعزب عن علمكم ما عليه الشيوخ من الغيرة على مريديهم في الانتقال عنهم إلى غيرهم ، << ولذلك ما سامح شيخ مريده في اجتماعه بغيره إلا تردّد في أيهما أفضل>> كما قاله الشيخ الأكبر إبن عربي وغيره، ولا مانع للمريد من الانتقال عن طريقة أحصى من اعتقاده أن طريقته أفضل الطرق، فإذا تردّد في ذلك أو تحقق لذلك أفضلية غيرها فمن المستحيل أن ينتفع فيها بما ينويه،وهو قريب من الانقطاع فيها وفي غيرها بأدنى سبب يدفعه في مثل هذا،

ولقد طالما نبّهنا إخواننا على ما عليه طريقة الشيخ t في السلوك بأنها مجرّد ورد ووظيفة وذكر جمعة، وما زاد على ذلك فهو فضل أو فضول فضل لذوي الاعتقاد وفضول من ذوي الانتقاد، وما يذكر من المرغّبات فيها والإعراض عن غيرها هو من هذا القبيل، فتفضيلها عن غيرها إنما هو من قبيل الترغيب فيها وهي في الحقيقة مفضّلة بتفضيل ملقّنها للشيخ t وهو سيّد الوجود r ، حسب ما نصت بذلك مبشّرات لا يتطرق إليها أدنى ارتياب مما بلغنا عنه t ، ولا عمل على التقولات التي لا أصل لها من المتهوّرين فيها بذكر مناقب ربما عدّت من المثالب والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .

السؤال التاسع:ـ ما هو الالتفات الذي يقطع بالمريد عن شيخه؟ أهو قطع القلب عن الشيخ في عموم الأحوال حتى لا يشهده في شيء وذلك من غير شك داع للقصد والتعني؟ أو هو ما يخطر بالقلب حين ترد عليه ذكرة شيخ من سماع أو مطالعة كتاب فيثور بنفس ذلك السامع أو المطالع ما يلتفته للعجب بهذا الشيخ، وينتج عن ذلك تعظيمه واحترامه وصحبته واعتقاد خصوصيته من غير قطع قلب عن الشيخ بطلب مدد من هذا المعجب به؟ وهل يكفي في القطع عن الشيخ مجرد استمالة القلب أم لابد من انضمام ما يشعر بالنقص وعليه فالقطع المسبب عن رؤية النقص لا يكون إلا برؤية الكمال في الملتفت إليه؟ وضحوا لنا هذا على غاية الإمكان ومنكم يطلب البيان ونحن في حاجة إلى ذلك .

الجواب:ـ اعلم أن الالتفات الذي ينقطع به  المريد التجاني عن الطريقة هو الالتفات القلبي إلى التعلق بأحد الشيوخ في استمداده في سلوكه للحق سواء كان ذلك الشيخ حيا أو ميتا ولذلك تقرر منع المريد فيها من الزيارة حتى لا يحصل منه التشوف لغير شيخه وليس في هذه الطريقة أمر من الشيخ في شهوده في عموم الأحوال بل ملازمة الورد والوظيفة وذكر الجمعة بشروط  ذلك كفيل بما هو المراد طلبه من كل مريد في سلوك طريقته التي هي طريقة الشكر في قصده المحمود من غير كثير معاناة ولا كبير مشقة طبق متحقق ذلك في حق ذوي الإعتقاد الفائزين بما تضمنته المبشرات فلا ينقطع المريد في هذه الطريقة المحمدية بعدم شهود الشيخ في الأشياء في أي حال من الأحوال.

 وأما ما يخطر في القلب حين مطالعته في الكتب من الخواطر القاضية بتعظيم من ذكر فيها واعتقاد خصوصيته وحصول ذلك أيضا بسماع منقبة ونحوها لم تكن لشيخه ففي ذلك تفصيل فإما أن يؤدي به ذلك إلى الإعراض عما هو ملتزم به في طريقة شيخه فيمر بذلك رافضا للقصد نافضا حبله وإما ألا يؤثر ذلك في سلوكه شيئا فهو يحب شيخه محبة لا تتغير بشيء من الأشياء بحيث لو فرضنا إجتماعه بقطب الوقت لما مال إليه في الحب أكثر من شيخه وقد بشرني ولله الحمد بهذه الخصلة الحميدة شيخنا العارف بالله سيدي ومولاي أحمد العبدلاوي t فقال لي:ـ << إني لا أخاف عليك بالاجتماع بذوي الخصوصية من غير الطريقة الأحمدية ولو كان قطبا >>، وهذه الخصلة أتحقق بحمد الله في خاصة بها مع ملازمة تعظيم سائر أهل الله، فإذا تمكن المريد في طريقة شيخه  في مقام عدم التشوف للإستمداد من أحد ممن طالع مناقبهم وحالهم والمقامات والفتوحات والفضائل العالية المنال، فلا عليه في شيء من ذلك بل يكون له بذلك قدم صدق في طريقته وفتح كبير في طريقه الذي هو سالك فيه بمعرفته لما لأهل الله من ذلك، فتكون محبته بقدر ما لديه من العلم بما هم عليه وتحصل له ملكة عرفانية لم تكن معتاد إليها في طريقه التي هو قائم فيها بما أخذ عليه العهد فيها، والمدار في هذا الأمر على ما يقضي به المريد على نفسه من التشوف لغير شيخه عند المطالعة لمناقبه أو سماعه ونحو ذلك، فإن لم تجد أدنى ميل عنه فلا بأس عليه إن شاء الله، وإلا فليكن على بصيرة من أمره حتى يكون موفيا بحق شيخه مع غيره، وللشيوخ هنا مع مريديهم أحوال فمنهم من يسامحونه فيما يصدر منه ولكن مرتبتهم لا تسامح لمن أساء الأدب معهم، فمنهم من لا تسمح نفسه في مريد من مريديه بالإجتماع مع غيره غيرة منهم عليه، ولا يتهم الشيوخ فيما قصدوه في منع المريد من مطالعة كتب مناقب غيرهم وسماعها إلا من يجهل معنى الغيرة الحقية وحرص الشيوخ على نفع العباد وتكثير الأتباع الذين يأخذون بأيديهم في طريق الرشاد ولقد أورد المنتقدون على هذا الأمر على حسب فهمهم أن الشيوخ ما منعوا مريدهم من الإطلاع على ذلك إلا ليدوموا في عمى الجهل وجمودهم على ما لدى شيوخهم بما يخشون أن يفتضح لديهم أمرهم فيه وهذا من سوء نية هؤلاء  المنتقدين فلا عبرة لما يقولون عن المعتقدين، وكثيرا ما تحصل الغيرة من الشيوخ قيد حياتهم ويرى سرها في مريديهم بعد وفاتهم بما تتم به الترقية في التربية بالهمة والحال كما وقع لأحد أحباب شيخنا t في حال مطالعته لبعض كتب القطب الشعراني وقد استغرق وقتا كبيرا في استعظام مقامهt وبينما هو في تلك الحال إذ رأى الشيخ t وهو يقول له<< أشعراني أنت>>، ثم غاب عنه الشيخ وتحقق بأن ما صدر له من كمال لطف الله به  واعتناء الشيخ قدس سره به في إرشاده وقد تكلم من تعرض لشرح الشريشية لمعنى الإلتفات الذي ينقطع به مريد التربية في سلوكه بما فيه الفائدة التامة ليراجعه من أراده لدى هذين البيتين من تشطيري لهما ونصهما مع الشطير: 

          ولا تقم من قبل إعقادك أنه     يبلغك المقصود من حضرة البر

         ولا أحد في الناس عندك مثله   مرب ولا أولى بها منه في العصر     

          فإن رقيب الالتفات لغيره      ينادي على المستلفت ارجع بلا أجر

         وإن لسان الحال في السر لم يزل    يقول لمحبوب السراية لا تسري     

ثم إن تنقيص الشيخ في أي طريقة من الطرق من أعظم الأسباب التي تقطع المريد عن نيل ما يريد، فإن لم يكن منه تنقيص في تعظيم غيره واحترامه كان ممن قام بما أمره به شيخه الصادق في إرشاد مريديه، فإنه ما من شيخ شيخ إلا وهو يشترط على مريديه تعظيم الأولياء واحترامهم، وإلا انقطع عن طريقه وغص بريقه، فاستمالة القلب بما يسمعه المريد من مناقب الشيوخ أو يطلع عليه بما لا يفضي إلى تنقيص شيخه أو تنقيص طريقه لا بأس فيه على المريد إن شاء الله، لا سيما إذا كان على بصيرة مما يلزمه من الأدب ومراعاته والقيام به في حق شيخه، وأما الجاهل بالأدب مع عدم معرفته بما يلزمه في معاملة ذوي الرتب فليقف عند حده في هزله وجده، في مطالعة الكتب التي يقف في بابها حيران ولربما لعب به في بعض عهده الشيطان، إلا أن مناقب الصالحين وحكاية ما يقع لهم  وما يصدر  منهم لا تخلو من فوائد ينتفع بها المريد في طريقه الذي هو سالك فيها بمراعاة شروطها، وقد قام الشيوخ بالإرشاد بذكر مثل ذلك لمريديهم وقصوا عليهم من القصص ما حصلوا فيه مناهي  وزادوهم بذلك إيمانا على إيمانهم، وهم في ذلك عاملون بمقتضى قول الحق سبحانه :-( لسيد المرشدين فاقصص القصص لهم يتذكرون) وفي هذا بلاغ لقوم يومنون .

السؤال العاشر:- كثيرا ما يوجد بكتب الدرس أدعية نافعة جامعة يدعو بها      مؤلف الكتاب في أول كتابه وفي غضونه لنفسه تارة  وللناظر في كتابه أخرى ،      كقول الشيخ خليل t في طالعة مختصره الفقهي << أبان الله لي ولهم معالم التحقيق >>، وكقول الشيخ الدردير في شرح خريدته << اللهم وفقنا لما فيه رضاك واقصعنا عن كل شيء سواك وأملأ قلوبنا من حبك وحب رسولك >>ما ذكره، فهل على التجاني من بأس إن دعا بها طالبا مضمون ما فيها؟ أو يقولها على سبيل الحكاية والحاكي ليس بداعي أصلا؟                                     

الجواب:ـ لم يرد عن الشيخ t ولا عن أحد من أصحابه منع المريدين الأدعية التي دعا بها أهل الله لأنفسهم ولغيرهم، من غير المصنفين فضلا عمن تقرأ تصانيفه ويطالع الناس تآليفه، بل للمريد أن يدعو بما شاء من الأدعية المؤلفة حتى أحزاب الشاذلي وغيره من غير اعتقاد أنه مريد لمؤلفيها، بالتزام قراءتها كأنها طريقة أخرى التزمها كما التزم الورد الخصوصي فتكون له طريقة مع طريقته، والطريقة التجانية يشترط فيها الانفراد والانسلاخ عن غيرها، وأما مجرد الأدعية فإن المريد غير ممنوع منها بل الابتهال إلى الله بمثل ذلك أنفع للداعي، لما اشتملت عليه من الأسرار ونظرة مؤلفها فإن تأليف الأدعية من أهل الله من أفضل تراكيب الدعاء، ثم ما دعا به الرسول r أعلى وأعلى قيمة من غيره و كفى خروجه من بين شفتيه r لابسا حلة قلبه وهكذا ما دونه مما خرج من حين شفت أهل الله وهناك لطيفة يشعر بها ذو النية السليمة والطوية المستنيرة ، وهي أن الدعاء المركب بلسان الغير يكون الدعاء به بلسان  لم يعص الداعي الحق به بفيه سر الأمر الوارد في الخبر:ـ<<أدعوني بلسان لم تعصوني به >>، فهو يدل على طلب الدعاء من الغير وعلى الدعاء بدعاء الغير وفي ذلك خير كثير حتى قال أحد الخاصة من المفتوح عليهم في طريقتنا لا يمنع  المريد من طلب الدعاء من الشيوخ وليس ذلك من التعلق ولا من الإستمداد في شيء لأنه لا إلتفات فيه عن الشيخ t وفي طلب الدعاء منهم إذعان لهم وتسليم من الطالب لهم فيكون في الظاهر ملحوظا لديهم بعين مملوءة بالرضى والقبول منهم له وفي الباطن له عندهم خصوصية المحب، وأما من إجتمع بهم ولم يذعن لهم وانقبض عنهم في الحضر الذي يكون الواحد منهم ولم يظهر لهم أنه المحب المخلص، فليستعد للبلاء بما صدر منه ولو بغير قصد من الجفاء وهنا يحتاج المريد إلى تروّ كبير من التسارع لما أفصحنا عنه وليعمل بمقتضاه إن فهم المقصود مما ذكرناه وإلا كان  في محنة عظيمة وخرج من دينه الفسيح فحاله الحاكم على الطريقة وغيرها فيه،وفي هذا بلاغ لمن أراد أن يذكّر أو أراد شكورا وحسبنا الله من طرقي جاهل متعصب بما لا علم له به، وإذا تقرّر هذا تحقّق لمن فتحت عيناه أنه لا بأس على المريد التجاني من الدعاء بما دعا به الشيخ والعلامة الدردير وغيرهما، بل الإعراض عن ذلك بالكلية من الخيانة في التأليف ونقص يؤدي إلى عدم انتفاع قارئ ذلك التأليف بما يطالعه فيه، مع ما في ترك ذلك من سوء الأدب المؤدي إلى العطب ما لا يكيّف، وأما ذكره على سبيل من غيرالتشوف لتحصيل مضمونه ففي ذلك سوء أدب مع الحق، ويكفي المريد الذي لم يعمل به حرمانه من ذلك الخير المطلوب، وما ذلك إلا للجهل بالطريقة وما انطوت عليه بين ذوي الحقيقة والله يهدي من يشاء إلى صراط المستقيم .      

السؤال الحادي عشر :ـ  جرت العادة بعد الإجتماعات العامة وغيرها أن بعض الإخوان يدعو بعضهم لبعض، فإذا الداعي غير تجاني فهل للتجاني أن يؤمّن على دعائه راجيا حصول ما دعا به الداعي أو لا يؤمّن ولا يلتفت إليه وعلى المنع ؟ نرجو منكم دفع ما عرض لنا فيه من المخالفة للأحاديث المؤذنة بطلب الدعاء للمؤمنين بعضهم لبعض خصوصا والمؤمّن أحد الداعين، وهذا المأموم طلب بالتأمين خلف الإمام من غير تقييد بكون الإمام تجانيا أم لا؟  

الجواب:ـ لازال الغلو بجهّال المريدين في سائر الطرق أن يقتحموا به الدخول فيما يوقعهم في إشكالات غير واردة في طريق الحق ، حتى تلتف تلك الإشكالات عليهم فيروا أنفسهم مقيّدة بما قيّدوها به مما لم يقيّدهم به أحد، وربما أدى بهم الحال إلى رفض الطريق بما تجلى لهم من أوهام تسلّطت عليهم، ولقد تقدّم لنا في الجواب قبل هذا بأن الممنوع منه المريد في الطريقة التجانية هو زيارة التعلق والاستمداد من الأولياء مطلقا، فالدعاء للناس ومن الناس الصادر من المريد التجاني ليس من هذا الباب ولا بأس به لا له ولا لغيره فأحرى التأمين على الدعاء، فقد بقيت السنّة جارية هنا على مجراها الشرعي من غير مخالفة في شيء، وإن الدعاء للمؤمن صلة في الله من الداعي فله مثلها بتأمين الملك، فالسؤال عن هذا واضح الجواب لا يرد على الطريقة التجانية فللمريد التجاني أن يؤمّن على دعاء أخيه المؤمن ولو لم يكن طرقيّا، فضلا عن الطرقي المؤاخي في الله لأمثاله في الاعتقاد في أهل الله ولا بأس بالدعاء للمنتقد بالهداية، ليتوب مما هو عليه من سوء الطوية وفساد النية ونعوذ بالله من التعصّب والغلو في غير حق لا في الطريقة ولا في غيرها، وإذا تحققت بأنه لا منع من الدعاء ولا من التأمين انتفى ما عرض لكم من المخالفة للأحاديث المؤذنة بذلك، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .  

السؤال الثاني عشر:ـ بعض الناس يقصدون قضاء الحوائج منهم وسواء كان قضاؤها لهم بجاههم أو بما عندهم من الخواص، وكذلك من يقصد للاستشفاء بما عنده من الطب الروحاني أو الجسماني، فهل على التجاني من منع إذا قصد هذا البعض كما يريده منه مع عدم الالتفات عن شيخه؟ فإذا كان لا منع فالأمر ظاهر وإن كان ثم منع فوفّقوا لنا بينه وبين العمومات الدالة على عموم طلب النفع للمؤمنين بعضهم بعضا .

الجواب:ـ لقد تقدّم لنا المرة بعد المرة أن المدار الذي تدور عليه الطريقة هو التزام شروطها التي منها ترك الزيارة للأولياء مطلقا وعدم الالتفات عن الشيخ t ، وإذا لم يكن من المريد التفات ونحوه فلا عليه فيما يسعى في تحصيله لنفسه أو غيره من النفع الدنيوي والأخروي، ممن بيدهم توصيله إليه والمحروم من الناس من حرم من بركة أهل وقته فاكتفى بما عنده مع احتياجه، كما عند غيره من ذوي السر الذي لا ينافي في طريقته ولا يؤدي إلى خروجه منها، بالتقيّد بحبل طريقة أخرى أو الانقطاع عن سائر الطرق ، ولا شك أن التطبب بالطب الروحاني والجسماني في حق المصاب بمرض مأمور باستعماله على يد من أقامه الله في معالجته، حتى قال بعضهم يتعيّن على المريض التطبب ولو على يد الطبيب الكافر إن أمن من غوائله ويحرّم سكنى البلد الذي لا طبيب فيه، ولك قد نص القطب الشعراني على أن في التطبب من الكافر دسيسة دينية لكون النفوس جبلت على حب من أحسن إليها، وأطال في (العهود) في بيان ذلك، وإذا تقرّر لديك ما قدمناه وكررناه تحقق لديك انه لا منع للمريد التجاني من ذلك فلا يحتاج معه إلى توفيق بينه وبين العمومات الدالة على عموم طلب النفع للمؤمنين، فالتعلق بالطبيب وبصاحب السر في كشف الأمراض لا مانع منه حتى في طريقتانا المشدّدة في منع الزيارة للأولياء مطلقا، وبالله التوفيق . 

السؤال الثالث عشر:ـ هل من السلوك المعروف عند أربابه استعمال ذكر الطريق اللازم وغير اللازم في طلب الخواص والخوارق؟ أو استعماله إظهار للعبودية؟ وما حكم من استعمله لغير ما وضعت له؟

الجواب:ـ إن كان المراد بالسلوك المعروف ما كان عليه السلف الصالح من السادة الصوفية في طرقهم التي توصل إلى الحق، فقد كانوا على السنة سائرين وبحبل الكتاب العزيز متمسكين، وقد اختصوا من بين العامة بالتجريد عن المألوفات وقطع علائق الشهوات، واتخذوا للعزلة عن الناس خلوات قاموا فيها بأنواع العبادات الجامعة لنوافل الخيرات، فكانوا في خاصة أنفسهم على قدم الصدق في الإنابة محاسبين لأنفسهم بأنفسهم غير معتمدين على عمل من الأعمال:ـ

ومن حل من صدق الإنابة منزلا     يرى العيب في أفعاله وهو مستبري

وقد وجدوا من إخوانهم وأصحابهم أعونا على ما راموه فأخذوا بأيديهم فيما لابد لهم منه من الضروريات البشرية، كما أنهم دلّوا إخوانهم في الله على ما فيه صلاح دينهم ودنياهم ، وقد فتح لكل واحد منهم أبواب دخلوا منها لحضرة الوصول، ولم تكن عبادتهم لغرض نفساني مما يعبد غيرهم به مولاه على حد قول من ذمّ العامل للأغراض:ـ

صلى وصام لأمر كان يطلبه     لمّا قضى الأمر ما صلى ولا صام

وهذه عادة الله في خلقه من أصحاب الأغراض فإنهم يعرضون عن الأعمال الصالحة التي كانوا ملازمين لها بعد قضاء مطلبهم الشخصي، فلا تجد من هؤلاء القوم من يعبد الله على حرف لإخلاصهم في العبادة ولا يضر لبعض منهم ما يقصده من الحسنى وزيادة، لأنهم يعملون الأعمال بامتثال وما يحصل من النتائج لهم فيها، فهم فيها على مراد الشارع من ترغيب وترهيب في سائر الأحوال ومقصودهم شيء واحد وهو الوصول للحق، وفيه اجتمعت مطالبهم وليس لديهم وراء الحق مطلب باستعمالهم للأذكار التي قاموا بها في طريق سلوكهم مع غيرها من نوافل وأنواع البر، لم يكن منه  للأغراض وإنما ذلك منهم عن قصد حسن في تقربهم للحق به وقد تجلت لهم الخواص في مظاهرها فأخبر منهم من أذن له في التعبير عنها من فيه أهلية للحصول عليها فعمل بها فنال تلك الخواص واستفادها منه غيره فعمل بها في التقرب للحق ونفع الخلق ثم استحالت إلى محمود ومذموم بما زيد فيها مع تقولات على رجال الطريق وفسدت النيات من طالبي السلوك إلى طلب الخواص فعاملهم أهل الله بالرفق في موافقتهم على قضاء مطالبهم وتلقينهم للأذكار التي ظهرت لهم أسرارها لينتقلوا من المقلم الذي حصّلوه إلى ما هو أعلى منه فيقول أحدهم مثلا لمن تعلق به لقضاء مطلب <<أذكر اسم كذا فتنال مقصودك >>ومقصود ملقنه أن يرقيه بعد تحصيله لمطلبه لما هو أعلى من مقصده، فنجحت سياستهم في جلّ من اقتدى بهم فيما دلوه عليه ومنهم من وقف أمامهم مع أغراضه التي تزداد منهم الرغبة في قضاء غيرها إذا  قضى الله ما طلبوه بها، فكان منهم من شرب من المشرب القاروني في انكبابه على التدبير ليله ونهاره ومنهم من انسلخ من سر ذلك انسلاخ من آتاه الله آياته ومنهم من عاملهم الحق بما ظهر سره أو خفى وكل يعمل على شاكلته في ذلك إلى ما شاء الله من إرشاد قوم وتضليل آخرين وما مقصود البوني وأمثاله ممن ألفوا في خواص الأسماء وغيرها إلا التدريج للمأذون لهم في ذلك والمطالعين لما تضمنته كتبهم بنية صالحة للوصول بذلك إلى الحق، وهي طريقة اختار السلوك عليها قوم وقد تباعد قوم من التداخل في خواص الأسماء وغيرها فخالفوا البوني وأمثاله ونفّروا المريدين من العمل بما تضمنته كتبهم، وإذ لا زلت أتذكر ما حصل لي مع ابن شيخنا أبي العباس ابن الخياط وكان كتيبا، فجئت إليه وأنا صغير وهو لا يعرفني فسألته عن كتاب شمس المعارف للبوني المذكور لأشتريها منه فقال لي:ـ <<أترك عندك هذا الكتاب فإنه شمس المتالف>> وكأني به ما قصد بذلك إلا نصحي ولم يمكّني منها مع حرصه على بيع ما تحت يده من الكتب وقد أثّر في نفسي كلامه فأعرضت عنه محوقلا محسبلا على قدر مبلغي من العلم به في ذلك حين، وإني لعلى يقين أن الخائض في فن الأسرار المنوطة بالأسرار لابد من غرقه في بحارها العميقة، وقلما يجد من يأخذ بيده من انتشاله من أوحال الأغراض التي لا يصل منها إلى الحق، فالأولى هو الإعراض عن العمل بطريقة الأذكار للخواص ولو ظهرت خوارق العادات بها من بعض الخواص، وإن كان المراد بالسلوك المعروف به عليه أصحاب الخلوات وعمارة الأوقات بالأذكار لنيل أسرارها وخواصها على حسب ما ذكره المؤلفون في ذلك كالبوني وغيره في نحو ما أشرنا إليه، فهذا ليس من السلوك لدى الصوفية المقتدى بهم في الإرشاد للحق بل العمل بذلك حجاب عظيم بين المريد ومراده، فتجد الشيوخ الكبار المرشدين للحق ينهون مريديهم عن العمل بما فيه الحظوظ النفسانية من ذلك ولو حصلوا على سر من أسرار ذلك، كما وقع مثل هذا من سيدنا الشيخ t في منع الواسطة المعظم من الوقوف مع فتح له به في التنقير بالوفق الثلاثي وكان يتصرف به في وسط جماعات من الإخوان ويعطيهم ما يخرجه من بيوت الوفق المذكور من الذهب المضروب سكة عصره،  فقال له الشيخ t :ـ <<إما أن تترك هذا العمل وإما أن تترك صحبتي >>، فاعرض عن ذلك ولم يعد لاستخدامه، ولقد أخبر الواسطة المذكور الأحباب عما رآه من أسرار الحروف والأسماء وبعض الأذكار بأن ذلك يراه مكتوبا بقلم القدرة بين الحروف وعليها بكتابة واضحة، كما تعرض لذلك العلامة إبن المشري في شرحه لـ ( ياقوتة المحتاج) عند تكلمه على خواص كل صيغة من الصلوات المرتّبة على حروف المعجم التي ألّفها الواسطة المذكور فيما أخبره به، على أن العمل بالخواص وإن لم يكن أساس طريقتنا عليه فنحن لا ننفيه وإنما نحذّر الناس من الوقوف معه أو استعماله فيما لا ينبغي لأن ذلك غير محمود، ووضع الأسماء في غير ما وضعت له من الأمر المذموم ومن هذا الأمر وضع بعض الأذكار في كفن الميت أو دفنها معه، فقد حذّر سيدنا  t من ذلك خشية أن تتلطخ بالقاذورات التي يصير إليها الميت، والحاصل أن السلوك بالأذكار صاحبه على خطر وللسالكين بذلك شروط، وغالب ما ينسب من الخصائص والأسرار من جل تلك الأذكار متقول على أربابه مكذوب عليهم فيه، فالعمل على ترك العمل به أولى لمن أراد السلامة لنفسه قبل حلول رمسه، وبالله التوفيق .       

السؤال الرابع عشر:ـ  هل للمقدم أن يعطي العهد لكل من طلبه منه وإن رأى منه ما يدل على عدم وفائه لهذا العهد؟ أو لا يعطيه العهد إلا إن رأى منه الوفاء بذلك؟ وهل له إعطاء العهد لمن له عهد سابق قبل انسلاخه منه،وما حكم من يرتكب هذا العمل ويرى أن لا منع في ذلك؟    

الجواب:ـ  ليس للمقدم ولو بلغ ما بلغ في هذه الطريقة المحمدية التجانية لا بالتقديم المطلق ولا بالتقديم المقيد أن يأذن لغيره في الورد إلا بعد إلتزام طالب الدخول في عهد الطريقة بالوفاء بأركانها بشروطها، التي منها الانسلاخ  عن سائر الطرق لأنها لا تكون إلا وحدها وعدم إلتزام طريقة أخرى معها إلى الوفاة، ومن تهاون بهذا الشرط فقد سلك مسلك المنقطعين عنها وعمل بما لا إذن له فيه أو تلقى الإذن في ذلك عمن لا إذن له من المقدمين بأنفسهم المتقولين على الطريقة ما ليس منها، ولا ينبغي الاقتداء به في ذلك، وقد تعرض لما لا تحمد عقباه في تقدمه في هذا الأمر الذي لم يسغ لأحد المقدمين الإذن فيه، والمتعيّن في حقه أن يبادر بالتوبة و طلب تجديد الإذن له في أوراده فضلا عن أن يكون مقدما، وقد تكلمت على حكم هذا المقدم و أمثاله لدى قول (درة التاج):ـ<< وقدم للتلقين العارف بما ذكر المتأهل بشاهد حاله المفيد غلبة الظن العارف بما يراد من الدخول في الطريق ــ إلى أن قال ــ وإلا منع وامتنع واشتغل بإصلاح نفسه بهواهم ولدى قولها أيضا في حقيقة المريد التجاني طريقا شخص مسلم عقل القربة وإن صغيرا لقنه متأهل أخذ عن مثله إلى الشيخ ذكرها اللازم والتزم الدوام عليه للموت وترك الزيارة للولي مطلقا إلا النبي والصحابي و الشيخ والأخ فيها، والأوراد دونه >>، فلينظر من أراد ذلك شرحها المعنون بـ (الكوكب الوهاج )، وقد تقرر لدى أهل الصدق من المقدمين في هذه الطريقة العارفين بأحوال المريدين وما انبنت عليه أنهم لا يسرعون بتلقين طالب الإذن فيها إلا بعد تحقق الطلب منه بعزم قوي، ولا يأذنون له في أول وهلة إلا بعد أن يؤكدوا عليه في الحضور في الوظيفة وذكر الجمعة والتزام ورد الصباح والمساء ويقوم على ساق الجد في ذلك حتى يأنس من نفسه القدرة على الوفاء بما يأذنون له فيه، فإذا طلب منهم ذلك بعد ملازمته لذلك أذنوه ومن يتحقق منه الصدق في الطلب لما يأذنوه والتحقق بكون لديهم بما يرونه من أحواله أو بشهادة من صادق في الطريقة، وبعد ذلك يتعين عليهم الإذن له حتى لا يحرمونه فضل الطريقة بالإذن الصحيح الذي تلقوه عمن لديه إذن صحيح بتقدمه للتلقين، ولا يسوغ لمن لا إذن له في التلقين أن يتصدر للتقديم بنفسه اعتمادا على ما لديه من الإذن في الورد أو في عموم الإجازة من شيخه في العلم من غير تنصيصه له على التقديم، فإن الأمر جد ليس بهزل فتحقق  لديك بحمد الله أنه لا يسوغ تلقين المريد الذي لم ير منه المقدم ما يدل على عدم وفائه بالعهد في الورد و شروطه الباقية، ولا يعطي المقدم أيضا الإذن في الطريقة لمن لم ينسلخ عن غيرها من سائر الطرق، وأنّ من فعل ذلك من غير مراعاة الشروط التي منها ذلك، فالأفضل له بل الواجب عليه المسارعة لطلب تجديد الإذن له في الطريقة لأنّه لا إذن له صحيح لكونه لم يوف بما هو مطلوب منه في الطريقة فهو جاهل بشروطها ولو كان من أكبر العلماء وأقدم المقدمين، حيث أن الانسلاخ من غيرها من آكد شروط صحته والله الموفق .

السؤال الخامس عشر:ـ هل الآخذ على مقدم صح سنده للشيخ t يجب أن يرى أن مقدّمه له من المكانة العليا والرتبة العظيمة ما تنقطع عنه أماني غيره من المقدمين، حتى أنه يرى الحضور في وظيفته مع من لم يؤخذ على مقدمه كلا شيء، ولم يقف عند هذا بل أداه تفانيه في محبة الآخذ عنه إلى أن وضع له تمثالا وعلقه في قبلة بيته بصورة مكبّرة، ويرى أن ليس في بلاد المغرب من يعرف الطريقة الأحمدية على الواقع سواه، معلّلا ذلك بأنه أخذ الطريقة من بيت الشيخ؟ فبينوا لنا البيان الشافي .

الجواب : لاشك أن من تلقى الإذن في هذه الطريق الأحمدي وغيره من سائر الطرق هو بمنزلة من أخذ عن الشيخ مباشرة لأن المقدمين شيوخ في الحقيقة لمن أخذ عنهم وقد قال بعض العارفين :

                 وكل من أخذت عنه علما            أو أدبا فهو إمام حتما

فلذلك يتعين على من أخذ عن مقدم أن ينزله منزلة الشيخ الذي يتعين تعظيمه كما قال الشيخ الأكبر ابن عربي من أبيات

               ما حرمة الشيخ إلا حرمة الله            فقم بها أدبا بالله لله

وقد جرت عادة الله في خلقه أن من أساء الأدب على شيخ من أشياخه يبتلى بما لا قبل له به ولا يهتدي غالبا لسبب ابتلائه وامتحانه، وقل من سلم من المسيئين للأدب معهم أن يبلغ مراده كما ينبغي، بل يكسى بحلة الهوان فيتعين حينئذ على المريد أن ينظر لمن تلقى عنه الطريقة أو لشيء من أذكارها بل و لسائر من أفاده بعين التعظيم والإحترام أكثر مما ينظر بها لغيره ممن لم يستفد منه شيئا، أما كون المقدم الذي أخذ عنه في المنزلة أكبر من غيره في نظره فذلك على قدر ما للمريد فيه من حسن الظن وجميل الإعتقاد وبذلك يزداد انتفاعه، ولكن بشرط أن لا يؤديه اعتقاده إلى الحط من غيره، فأما كونه يرى الحضور في وظيفة أو جمعة مع من لم يأخذ عن مقدمه كلا شيء فهذا من التعمق في الطريق مع سوء الأدب المفضي إلى انقطاع المريد عن حبل الشيخt لإهانته لغير من أخذ عنه، ومراتب المقدمين في التلقين واحدة في وجوب تعظيمهم وليس من الأدب في حق المريد الطالب في طريق الشكر للمزيد أن يصدر منه مثل هذا الأمر لا في السر ولا في الجهر، لأنه ربما أدى ذلك لتحزب الإخوان فيما بينهم في الطريقة الواحدة ويقع التفاخم فيما بينهم ويحملهم التعصب على الطعن في المقدمين وسوء الإعتقاد فيهم، حتى يؤدي ذلك فيما بينهم إلى ما لا تحمد عقباه، ولهذا قال سيدنا t لما بلغه عن الإخوان الآخذين عن الخليفة سيدي الحاج علي حرازم برادة والآخذين عن العلامة ابن المشري قيد حياتهما وانتصر كل فريق منهم للآخذين عمن أخذوا عنه:<< من يعرفني يعرفني وحدي>>، فأرشدهم t أنه هو مؤسس الطريقة التي يتعين على المريد أن يمتثل أوامره وينظر للمقدمين بما لا يفضي إلى الإعراض عن الشيخ في طريق إرشاده حيث يقول :<< قال لي سيد الوجود r :{ قل لأصحابك لا يؤذي بعضهم بعضا فإنه يؤذيني ما يؤذيهم}>>، ولاشك أن تنقيص قدر مقدم في الطريق وعدم الإلتفات إليه في محضر الإخوان الذين تلقوا عن غيره من أعظم إذا يتهم لهذا المقدم رفعوا غيره عليه، ولمراتب المقدمين غيرة كبيرة في الطريق شعروا بها أو لم يشعروا، و المريد المتداخل فيما بين المقدمين على خطر عظيم من أمره ولا يمكنه أن يزن بميزان عقله أو علمه ما لكل واحد منهم من خصوصية ومرية بعد خصوصية التقديم الذي لا يقين لديه في تحصيل ملقنه عليها ومن الغلو الذي لا يحل السكوت عنه أن يتخذ المريد تمثالا لذلك المقدم الذي أخذ عنه ويضعه قبالته حالة ذكره أو يعلقه في قبلة صلاته إن هذه لخصلة جاهلية من هذا المريد الذي كاد أن يعد فعله كفرا أما إعتقاده به بأن مقدمه  ليس في عموم المغرب من يعرف الطريقة الأحمدية على الواقع سواه فهذا منه يحتاج فيه إلى بينة في طريق الحق ولا يكفيه في تعليل ذلك و الإستدلال بأنه أخذ الطريقة من بيت الشيخ بل لو أخذ الطريقة أو التقديم عن الشيخ مباشرة فإنه لا يكفي في الإستدلال على ما زعمه فقد يكون هذا المقدم جاهلا وأجهل منه من قدمه على غيره بلا برهان بل لو ادعى أنه مفتوح عليه في زمانه في هذه الطريقة فإنه لا سبيل إلى القطع بأنه لا يوجد بعد في عصره مفتوح عليه مثله أو أكبر منه فتحا فإن الخصوصية لا يطلع عليها كل أحد وفي زماننا هذا كثيرا من المفتوح عليهم في هذه الطريقة وهم في ظل الخمول غير متظاهرين بفتح ولا غيره فالمتعين على المريد أن يعظم مقدمه الذي أخذ عنه من غير أن يحط من قدر غيره والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم .

السؤال السادس عشر: قد علمنا أن سيدنا الشيخ t ممد للعالم من عهد آدم إلى النفخ في الصور ولمزيد أن نعلم من باب ولكن ليطمئن قلبي ان هذا المدد هل كان على العموم و فيه ما فيه أو كان على الخصوص وعلى هذا فالممد لهذا الخصوص قبل بروز سيدي أحمد إنما هي روحه و بعد بروزه للعالم الجسماني فالممد منه الهيكل الإنساني في المظهر الرحماني وعليه فهل يعلم الممد بفتح الميم الثانية بهذا الممد بكسر الميم الثانية فإن كان لا يعلمه فما الحكمة في إيصاله على يده وإن كان يعلمه فلأي  شيء يتقيد المريد بشيخ ويستقي من آخر وقلتم أن الإلتفات يقطع بالمريد وهل الشيخ نفسه  t ينتفع بهذا المدد الواصل منه لغيره أولا ينتفع ؟.

الجواب:ـ  إعلم أن الجواب عن هذا السؤال لا يتضح إلا بعد تمهيدات:

 

التمهيد الأول :في كون الحق تعالى قد اقتضت حكمته أن يكون في الخلق وسائط لم يصل منه شيء إلى الخلق إلا على يدهم

اعلم أن جميع ما هو بارز من الحضرة الحقية القدسية صادر عن أبدع حكمة وأكمل إتقان وليس في الإمكان أبدع من ما كان، وقد قضى الحق رفقا بعباده أن يجعل وسائط بينهم وبينه من ملائكة ورسل وغيرهم، فهم خلفائه في التبليغ وهم حجاب حضارات تجلياته التي لا تكيف أمام كل واحد منهم حجابا في مظهر من مظاهر نعمته أو نقمته من وراء الحجاب الأعظم عليه السلام في مواجهة حجاب النور الأقدس بلا مكان وتنزه مولانا جل شأنه عن الجهة ولو لا تلك الحجب لاحترق الوجود وبقي الوجود المطلق للحق بانعدام الخلق في حجاب العماء المنزه عن الظرفية مع دوام البقاء وهو وإن كان الحق على ما هو عليه الآن وقبل الآن وبعد الآن فإن وجود الخلق يقضي بشعورهم بموحدهم فإيمانهم به منه وإليه بواسطة هذا الحجاب الأعظم الذي تكونت منه المكونات في نظر المصدق بما فاض على الحقيقة المحمدية وبما فاض منها في أطوار التكوين وأدوار التلوين وهذا لا يقول به المترسمون لكونه لم يصح به حديث في نظرهم ولا ينبغي مجادلتهم لعدم صدهم عما بأيديهم لوقوفهم مع ذلك أتم وقوف في نكرهم ويزعمون أنهم على بصيرة مما وقفوا معه ويا ليتهم وقفوا مع ما بلغهم من العلم ولم ينكروا ما لم يكن لهم به علم ولا فهم لتمت لهم الكرامة في هذه الدار وفي دار القيامة، وليس هذا المحل محل تصحيح ما يعتقدون أو إبطال ما ينتقدون وإنما المقصود كون العارفين قد انتهجوا مناهج وصعدوا في مدارج لم تصل إليها مدارك غالب الجامدين من علماء الظاهر في غالب ما تظاهروا فيه من المظاهر وإذا استعظم الملائكة الكرام خلافة آدم في الأرض فكيف بغيرهم إذا سمعوا أن الولي الفلاني خليفة لله في خلقه ولم يستعظموا كون السلطان خليفة لله وإن كانوا يقيدون هذه الخلافة بما يقولون ولا يقيدون خلافة الولي إلا بما يقبلون مع أنه ليس عندهم ما يؤيدون به ذلك التقييد إلا من حيثية ما يوافق أنظارهم ويوافقهم عليه نظرائهم من كون تلك الخلافة في الأمور الظاهرية بتنفيذ أحكامه، أما الأمور الباطنية فليس عندهم فيها خليفة وهم على حسب اعتقادهم في ذلك على صواب ولو أنصفوا لتحققوا بما هم فيه من الخطأ في ما حكموا به في هذه القضية بين ذوي الألباب، فالخلق لابد لهم من واسطة بينهم وبين الحق ولولا الخلق ما عرف الحق ولولا الواسطة كما قيل لذهب الموسوط، فالواسطة لابد منها بمقتضى الحكمة ولذلك وجب شكر المنعم وإذا تحققت الوساطة التي هي الخلافة الباطنية فيما وصل للمنعم عليه وما سيصل من النعم إليه فالإنكار على القائم بحقها من نقصان العقل إن لم نقل من نقصان الدين، فإن الإنكار لا يكون إلا بعد تتبع سائر ما ورد ولم يبق وجه من سائر المحتملات وما دام المنتقد على أهل الله لم يكن له علم صحيح أو عقل رجيح في جانب العلم اللدني لا ينبغي له التجرؤ على أصحاب هذه المقامات خصوصا ما أجمع عليه العارفون القائمون بما لم يقم به أهل الظاهر من أنواع العبادات والعمل بعد الفرائض بالقربات ويتحرون الصدق في  الأفعال والأقوال وسائر الحالات وتلك هي الحالة التي يرضاها الله من عباده للقيام بالأوامر على قدم الجد والإجتهاد وعدم الخوض في المنهيات بما لا يقدر عليه إلا من سلك مسلكهم من خواص العباد فلا يليق اتهامهم فيما به أخبروا أو فيما له من الإرشاد تصوروا وإلا يقال قد اختلط الحابل بالنابل والمحق بالمبطل فهؤلاء الذين يدعون الخلافة عن الحق متهمون لأنا نقول إن سوء الظن موجب للحرمان وماذا على المصدق من الخسارة إن كانت تجارته في سوق حسن الظن نافدة وأوقاته عامرة بما تعود به عليه فائدة، ولعمري إن مؤمن قوم موسى  uلقد أرشد قومه لما فيه نفعهم فقال:( إن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم)أوليس المؤمن من الأمة الممدوحة بالإيمان بالغيب أولى عند الموفق الرشيد من مؤمن قوم موسى بالتصديق والتحذير من وخامة التكذيب فلعمري إن التصديق بمن سلك على أقوم طريق لأولى ولئن يتهم نفسه فيما بلغه عقله وعلمه ووصل إليه من الفهم ويبقى على الحياد فيما ليس لديه عليه دليل في تكذيب من أفصح عما لا موجب لإنكاره خير له من ادعى الولاية لنفسه وكان في استقامته على هدى من ربه فهل هناك ما يقضي بتكذيبه غير الوساوس التي يبتلى بها المكذب فتسول له نفسه ما تسوله من تضليله وتكفيره وليس هناك من موجب لذلك سوى قلة العقل كما قلناه أو قلة الدين طبق ما قررناه والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

التمهيد الثاني: في بيان كونه لا يقضي بتفضيل الواسطة على المستمد منه إذا وجد في كلامه ما يجر ذيله على من هو أفضل منه في ذكر ما له من الفضائل.

يعلم كل أن سيدنا جبريل u واسطة بين الحق وبين نبيه  uوالنبي أفضل من هذا الواسطة من سائر الوجوه وهكذا الشأن في أمين صندوق مال السلطان لا يقضى بتفضيله على غيره ممن هم يختصون به بخصوصية رمزية، فإذا قال الواسطة بين سيد الوجود r :<< أنا ممد العالم>> وحملنا كلامه على إطلاقه ولم نقيده بما قيده به في بعض مقالاته من خروج الأنبياء والصحابة على الجميع السلام فإنه لا يقضى ذلك بكونه أفضل منهم ولا يحمله على الأفضلية إلا من رمى بنفسه لهوى السهام ليس مع مثله الكلام لأنه لا يجدي نفعا ونحن نبرأ جانب سيدنا الشيخ التجاني t من تفضيل نفسه على أصغر الصحابة فضلا على الأنبياء صلوات الله و سلامه عليهم وإن صرح بأعباء الخلافة الباطنية عن الرسول عليه السلام في إمداد الخلق من حضرة الغيب و هو في ذلك على بينة من ربه في جانب نفسه بما تحقق به في عالم معناه و عالم حسه على أن هذا الإمداد و الاستمداد مما لموجب لإنكاره وهو من الأسرار السرية من حضرات الغيب لا تظهر حقيقية من سائر الوجوه لكل أحد و قد يظهر من جهة فأكثر لمن تحقق بذلك في سره من العارفين y في حالة الإلقاء لذلك السر من الواسطة و أما التلقي الفائض من الحجاب الأعظم فالكثير منهم لا شعور له بوجود هذا الواسطة منهم و بين الحضرة المحمدية لكثرت النور المشعشع الداخل تحته هذا الواسطة فلا يشاهده إلا من تحقق بمقام القرب التام بوجود الواسطة،كالناظر لعين الشمس وقد حال بينه و بينها ما هو داخل تحت شعاعها في الجو ،من نحو قطعة شيء من شيء من الإكسير فلا يحس بهذه القطعة ولا يرى إلا الشمس وهو مثال تقريبي إلى ما أشرنا إليه، وبمقدار القرب والبعد من عين الشمس يعظم قدرها في عين القريب منها ويقع الإحساس بما بينه وبينها ،و البعيد عنها يراها صغيرة مع أنها في الواقع بخلاف ما تجلى لنظره منها، و بتحقق هذا يظهر أن الفائض من الحضرة الشريفة لا ينقص بالاستمداد لا بواسطة الأنبياء ولا بواسطة الشيخt ،كالشمس يستمد منها الحيوان والنبات والمعدن وغير ذلك من سائر البسائط والمركبات، واستمداد الجميع لا ينقص شيئا منها منذ وجود الجميع ولا يبعد أن تزداد نورا بالاستفاضة منها، وهو مثال تقريبي للحقيقة المحمدية التي يستمد منها سائر المكونات ،فأنوارها تزداد بالإنفاق وقد نشرت شعاعها على سائر الآفاق، ولا  يعترف بما قلناه إلا من ضرب له بسهم من الإيمان بالغيب طبقا لما قررناه ثم إنه غير مستبعد عدم إدراك من كبر في عينه ما حصل عليه من العلوم بأن يكون محجوبا عن إدراك هذه الحقيقة المحمدية و ينكر تكوين المكونات منها واستمدادها من أنوارها مع وجود حكماء فاقت حكمتهم حكمة أفلاطون وأضرابه من الحكماء من عصر النبيe إلى الآن، وهم متفاوتون في معارفهم و مداركهم ممن لا يستمده بحكمتهم و اتساع قابلية عقولهم و هم غير مومنين بالذات المحمدية ولم يقولوا بما جاء به الرسولِu مع تحققهم بكونه رجلا عظيما فكذلك هؤلاء القوم المنكرين لما هو مقرر عند القائلين بتلك الحقائق فهم على جانب عظيم في على جانب عظيم في خطابهم في تخطئة السالكين في هذه الطرق و عن حلقت طيور مداركهم  في الأفق وما على الموفق إلا التسليم لما لم يصل عقله إليه ولا يسارع لإنكار ما ليس منه شيء لديه والله يقول: ( وفوق كل ذي علم عليم )، ثم أعلم أولا  أن الكلام في المسالة لا يجدي نفعا في شخصين أحدهما لا يقول بتفرع المكونات عن الحقيقة المحمدية ولا يسّلم لاستمداد المخلوقات منها لوقوفه موقف متعصب لما بيده من الرسوم زاعما أنه أحاط علما بما ورد عن الرسول e وأنه ما ورد مما يقضي بذلك من الأحاديث و الآثار متكلم فيه ولا يسّلم غير ما حصل عليه من الأحاديث الصحيحة بالاصطلاح  وأما غيرها فباطل عنده لا يعتمد عليه مع أن هذا الشخص بنفسه يعترف أنه لم يرد نهى عن اعتقاد مضمن ما ورد في ذلك مما لم يصح لديه وإن صح لدى غيره من طريق كشف صحيح ونحو ذلك ، وليس في كون المكونات متفرعة عن الحقيقة المحمدية أو استمداد كل فرد من أفراد المخلوقات منها ما يخل بقاعدة من قواعد الدين أو يطعن في عقيدة من عقائد المؤمنين، فكل من أنكر ذلك فهو إلى الضلال أقرب من الاهتداء وما على المعتقد لذلك من حرج في دينه عند من يصح بهم الاقتداء، ونعوذ بالله ممن طغى به علمه فكان أكبر من عقله أو ممن أضله ألله على علم فوقع في الحضرة المحمدية بمقتضى سوء الأدب موقع المحروم من الخير الجاري إليه منها ، ثانيهما شخص لا يرى الحق إلا مع نفسه باجتهاد منه أو بتقليد لغيره في الانتقاد على ما يخالف ما لديه من اعتقاد و لم تكن فيه قابلية لفهم ما يتمسك به غيره في تحقيق الحق و تصديق أهل الصدق بين الخلق، أما من يتلقى ما يرد عن أهل الله بالقبول ويتحقق بأن من أحوالهم ما لا تقبله العقول، فيسلك مسلك التسليم أو على الأقل يبقى على الحياد من التداخل بينهم بالفضول لكونه لا يعتمد على علمه و عقله فوفقا لمنهج الصواب بين أهله، فهذا هو الذي يكون الكلام معه في توضيح الجواب عن هذا السؤال و أمثاله مما ينقل عن الشيوخ العارفين لما فيه من القابلية التي يقبل بها ما يورد عليه من تبيان الحق بالكشف عب وجه الحقيقة لطلابها ولا يصده التعصب عن الفهم و الدخول لحضرا ت المعرفة من أبوابها، ونحن سنلقي هنا على المعتقدين قولا ثقيلا يخف حمله بعد تقرره لدى من صبر في تفهّم ما يسمعه قليلا، ثم اعلم ثانيا أنه لا يتضح الجواب هنا إلا بعد تقرير موجب العلم بكونه الشيخ t مد العالم، فنقول نقل المؤلفون في هذه الطريقة التجانية المحمدية عن الشيخ t أنه قال :<<كل المشايخ أخذوا عني في الغيب ـ وفي رواية عنه ـ كل الشيوخ أخذوا عني من عصر الصحابة إلى النفخ في الصورـ و قال ـ روحه الشريف e وروحي هكذا وأشار بسبابته ووسطاه من يوم أنشأ العالم، و الروح الشرفt تمد الرسل و الأنبياء عليهم الصلاة و السلام وروحي تمد الأقطاب و العارفين والأولياء ـ وقال ـ إذا جمع الله خلقه في موقف ينادي مناد بأعلى صوته حتى يسمعه كل من في الموقف {يا أهل المحشر هذا إمامكم الذي كان مددكم }>>، وغير هذه المقالات التي تناقلها الإخوان ومرجع جميعها إلى معنى إمداده لغير الأنبياء والرسل عليهم السلام وفي ذلك ثلاثة مسالك :

المسلك الأول :في كون هذه المقالة وأمثالها متقول على الشيخ t

قد أنكر الأعلام المحبين في  الجناب الأحمدي صدور مثل هذه المقالة من سيدنا t قائلا :<<يتعين على الإخوان أن ينكروا ما ينسب للشيخt مما يوجب بنسبته للشيخ t الإنكار ولا يقبله الميزان الشرعي عند الاختبار>>، و على فرض صدوره من الشيخ فهو بعبارة لا توجب إنكارا عليه، وإنما ناقلها عنه هو الذي أدى ما فهمه منها بالعبارة المتداولة و لذالك اختلفت ألفاظها، ولا يبعد الزيادة في الكلام بما يفضي إلى الإنكار على من نسب إليه مع أته لا ينبغي الإنكار إلا على ناقله، إلا إذا تحقق بالسماع من قائله لاسيما إن كان مثل الشيخ t القائل :<<زنوا كلامي بميزان الشرع فما وافق فخذوه و ما خالفه فاطرحوه >>، ويدل على هذا ما وقع في النقل عن الشيخ t  بعبارات مختلفة في بعضها زيادة و في بعضها النقصان مما يتحقق به ما ذكر ، و هذا المسلك وإن كان مسلك محب يغار على انتهاك حرمة حبيبه فإنه يفضي إلى عدم الثقة بما نقل عن الشيوخy  من المقالات التي نسبت إليها،مما يدل على شفوف مرتبتهم وعلو مكانتهم في الولاية على أنه لا ننفر الزيادة في ذلك ولا النقصان فلنرجع إلى غير هذا المسلك وننظر ما فيه لدى أولي العرفان فنقول :

المسلك الثاني: في كون ذلك صادر عن شطح من الشيخ t

                                  

اعلم أن الشطح وإن كان من الرعونات النفسية فإنه يطرأ على العارفين ولا يخلو منه غير المعصوم ولا عصمة لغير الأنبياء والملائكة عليهم السلام، وإن كان لبعض الأكابر من الأولياء المحمديين كمال الحفظ من الوقوع في المعاصي مما يكاد يقرب من العصمة، ولكن ليس ذلك كالعصمة من سائر الوجوه فإن الشطح ليس من المعاصي في شيء، لأنه يصدر من صاحبه عن غير شعور خارج به عن دائرة التكليف عندما يعتري النازل به في حال من الأحوال في بعض أحيانه، فإنه يطرأ عليه الفناء والاستغراق في ذات الحق وتارة في ذات النبي e، حتى يخرج بذلك عن دائرة حسّه

وشهوده ويخرج عن جميع مداركه ووجوده، فيتكلم بكلام على لسان الحضرة التي استغرق فيها فيقول مثلا:{ سبحاني سبحاني} وهو يسبّح الله في الحقيقة ويظن سامعه أنه يسبّح نفسه، ويقول مثلا: { أنا ممد العالم} مخبرا عن سيد الوجود e ويظن سامعه أنه عنى نفسه، مثل قول الشيخ t : { إذا جمع الله خلقه في الموقف ينادي مناد بأعلى صوته يا أهل المحشر هذا إمامكم الذي كان مددكم منه}، وغير ذلك من المقالات التي يتعين حملها على الشطح، ثم نقول أن الشيخ t متحقق بمقامه الذي منحه به الحق وفتح به عليه باتصاله بسيد الخلق e، حتى عرف ما عرف من وساطة بين سيد الوجود e وبين غير الأنبياء والرسل عليهم السلام مع الصحابة الأعلام y، فقضى عليه شكر هذه النعمة العظيمة التحدث بها لتحققه بخطاب الحق لموروثه ( وأما بنعمة ربك فحدّث)، فأخبر t بأن مدد غير من ذكر على يده لهم لأنه t فيما تحقق به أنه هو الواسطة بينهم وبين الممد الأعظم والكنز المطلسم e، فكان له موردا خاصا به ويسقي غيره بما قسم الله منه له على يده، وموردا بواسطة الأنبياء عليهم السلام بما فاض عليهم من المدد المحمدي يسقى منهم معه غيره بما قدّر لهم من المدد، ليحققوا برسوخ القدم الموروث لهم بواسطته شعروا بذلك أو لم يشعروا، وقد نقل في (الرماح) ما صرّح به من ذلك فقال نقلا عن سيدنا t :<< إن الفيوض التي تفيض من ذات سيد الوجود e تتلقاها ذوات الأنبياء، وكل ما فاض وبرز من ذوات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام تتلقاها ذاتي، ومنّي يتفرق على جميع الخلائق من نشأة العالم إلى النفخ في الصور، وخصصت بعلوم بيني وبينه منه إليّ مشافهة لا يعلمها إلا الله عز وجل بلا واسطة ــ وقال أيضا ــ إن القطب المكتوم وهو الواسطة بين الأنبياء والأولياء فكل ولي لله تعالى من كبر شأنه ومن صغر لا يتلقى فيضا من حضرة نبي إلا بواسطته t من حيث لا يشعر به، ومدده الخاص به إنما يتلقاه منه e ولا اطلاع لأحد من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على فيضه الخاص به، لأن له مشربا معهم منه e >>، ثم القطب المكتوم هو سيدنا t لإخباره بذلك عن نفسه بالبرهان الآتي الذي لا يشك فيه إلا المكذب لمن يحد من نفسه مالا يحده مكذبه الذي لم يتحقق بهذا المقام الموروث عن القائل u { أنا النبي لا كذب } ولقد كنت قبل هذا الوقت كثيرا ما ابحث عن معنى استمداد الكون من الحضرة المحمدية عليها في عالم الغيب و عالم الشهادة والبحث أيضا عن الإمداد الجاري على يد الحضرة الاحمدية التجانية لمن عدا الأنبياء و الرسل عليهم السلام حتى فتح الله في وجه روضة المعرفة وشاهدة في مجال مجاليها ما يتميز عن غيره بكمال الصفة وذلك في واقعتين :

 

الواقعة الأولى: في مشهد استمداد مكونات من الحضرة

المحمدية عليها السلام

قد إجتمعت في مجمع حفيل بجماعة كبر في عيني مقدارهم ولم يكلمني منهم إلا شيخنا أبو الفتح القادري رحمه الله فقال لي<<إن الحق سبحانه لما أوجد الحقيقة المحمدية  عليها السلام ارتسم من ظلها الكون وما حواه تفصيلا وإجمالا في صورة دائرة على هيئة الكرة ذات طبقات كالبصلة وقد ثقبت بثقب نافذة وتلك الطبقات بقدر القرون التي قدّر الله فيها إيجاد المخلوقات المقدرة في ما هو اقل من الثانية ثم الدقيقة ثم الساعة ثم اليوم ثم الجمعة ثم الشهر ثم السنة ثم ما زاد على ذلك إلى القرن فصاعدا إلى بناء العالم إلى استقراره في دار الخلود ثم أمر البديع الحكيم بدوران الدوائر من تلك الطبقات المتداخلة والنور المحمدي مشرف على تلك الكرة بعد أن كان النور نافذا في تلك الثقب من فوقها للخارج فدارت تلك الدوائر الشبيهة بالأفلاك وهي منها وقد تداخلت الثقب في بعضها بعض ولم ينفذ النور في بعضها ضرورة تغطيه المنفذ من الثقب بما ليس فيه ثقبة والنور من أعلى مشرف على الدوائر فكان ذلك هو معنى الاستمداد فما أشرق النور عليه كان في حيّز السعادة وما كان غير نافذ فيه كان في حيّز الشقاوة ويكثر ذلك ويقل بحسب أخذ حظه من النور أو الظلمة التي وجدت تحت الحاجر هكذا فنظرت إلى ذلك عيانا والكرة قبالتي ما اشتملت عليه والنور الشريف منتشر عليها ينفذ من تلك الثقب أحيانا وتارة يشرف على الصفحة المارة بالدوران على الثقب وهكذا فعلمت من ذلك كيفية الاستمداد ففرحت بذلك ومن فرط الفرح استيقظت من تلك الواقعة التي كادت أن تعد من قبيل اليقظة وأنا أسبّح الحق البديع الحكيم.

الواقعة الثانية: في مشهد استمداد الأولياء والعارفين بواسطة القطب المكتوم من الحضرة المحمدية عليها السلام

 

 

شاهدت في مشهد كبير سيد الوجودe جالس وأنا جالس قبالته جلوس أدب واحترام مطأطأ الرأس لم أقدر على رفع بصري إلى الوجه الشريف لكني أراه u متربعا ويداه الشريفتان مبسوطة كل واحدة منهما على الفخذ التي من جهتها والشيخ التجاني t عن يمينه أو يساره نسيت ذلك الآن وعن يمينه أو يساره العارف ابن وفا t وكل واحد مطأطأ الرأس فسمعت ابن وفا يقول :<< يا سيدي يا رسول الله أحب أن أراك أو ائذن لي أن أراك>> فقال له رسول الله e { سل هذا من ابن سالم} وأشار بيده الشريفة إلى الشيخ t فاستيقظت وأنا على يقين من معنى المدد الجاري من الحضرة المحمدية للأولياء بواسطة الشيخ قدس سره ومثل هذا لا يمكن أن يتحقق به المنتقد ولا يتصور حتى معنى ما ذكرناه على أن الوقائع التي عليها المدار في الإيمان بالغيب لا يذعن لها غير المعتقدين في أهل الله فإنه وإن انقطع الوحي فإن المبشرات لا زالت في هذه الأمة بشاهد { الرؤيا الصالحة جزء من ست وأربعين جزء من النبوة } في أحد احتمالات هذا الحديث الصحيح فهي من قبيل الوحي الإلهامي المعمول به عند الصوفية وليس في طوقنا أن نخلق الاعتقاد فيمن لا اعتقاد فيه حتى يعتقد صدق الأولياء فيما يخبرون به من شفوف مراتبهم وكمال خصوصياتهم ولا أن نزيل منا هذا الاعتقاد فإن للمحبة هيمنة ليس بسهل مقاومتها لا زال سلطانها بحول الله متمكنا فينا ولا سلبنا الله لذتها فيه به آمين.

ثم اعلم أن الشيخ t قد يكون عبّر عن خصوصية وساطته بين الأولياء والرسول u بما قضى به مقام الشكر الذي حلّ فيه فإن الولي الذي يحل في مقام الشكر لا يمكنه السكوت عما يجده في عالم حسه ومعناه مما لا يكاد أن يزاحمه فيه غيره وينكره عليه من لم يحم حول ذلك المقام ولقد كان الشيخ t متمكنا في هذا المقام ونال من المبشرات ما أخبر به أحبابه ولم يسعه الحال كتمه عنهم فكان في أغلب ما أخبر به من تلك المبشرات منفعلا للحال النازل به ولتمكنه في ذلك المقام لم يظهر عليه أثر الشطح الذي يعتري بعض الأكابر فيما يقولونه أو يتقول عليهم عما يناسب حالهم من أحبابهم أو أعدائهم بما يقبله المعتقد وينكره المنتقد وكل يعمل على شاكلته في ذلك كله والذي عندي فيما أخبر به الشيخ t أنه من هذا القبيل وما علينا إلا أن نسلّم هذه القولة لقائلها ولا نطعن في ناقلها.

 ونرجع لنوضح الجواب عما انطوى عليه السؤال هنا من الاستفهامات المتداخل بعضها في بعض فنقول في تفصيلها:

الاستفهام الأول : عن إمداد الشيخ t للعالم من عهد آدم للنفخ في الصور على العموم أو على الخصوص

 

قد علمت أن المقصود بما نقلناه من المقالات المنسوبة للشيخ  t  في كونه  ممدا للعالم أنه واسطة بين العارفين من الأولياء و الشيوخ رضي الله عنهم و بين النبي e فهو يتلقى المدد من الرسول u ويوصله لمن قدر الحق وصوله إليه كالواقف على ينبوع من الماء الجاري من العين التي يزدحم الناس للاستقاء منها فهو المكلف بتلقي ما يفيض من الينبوع و يجعله في أواني المستقر كل واحد منهم على قدر ما تحمله ءانيته في  حق من ذكر على الخصوص وهم يفيضون على من استمد منهم مددا بقدر ما يسره الله لهم على يدهم أما الأنبياء والرسل عليهم الصلات والسلام فهم لا يحتاجون إلى هذا الواسطة بل يغترفون مباشرة من العين الجارية بينابيعهم الخاصة بهم غير أن ما يفيض منهم من بعد الارتواء من تلك المنابع تتلقاه ذات الشيخ t و ذاته من حقيقته و روحه و منه يجري لمن هم على قدمهم من الأولياء قدس سرهم  فمن استقر بواسطة الشيخt من الينبوع الجاري إليه من النبي ِe فهو محمد ومن استقى بواسطته في تلقي ما يجري للأنبياء عليهم السلام فهو على قدم النبي الجاري منه ذلك إليه بواسطته فهو عيساوي أو موساوي أو إبراهيمي وغير هؤلاء ممن قدمهم على قدم الأولياء وكل ولي من الأولياء له قدم على قدم نبي واحد أو أكثر بحسب ما له من التمكن في المعرفة بالله ومعنى أن كل ولي قدمه على قدم نبي كما في جواهر المعاني للخليفة سيدي الحاج علي حرازم برادة رحمه الله أن يذوق ذوق ذلك النبي ويتوجه توجه ذلك النبي من غير إحاطة بما كان عليه ذلك النبي بل يحصل له قسط ونصيب مما كان عليه ذلك النبي قلت وقد يكون للشخص الغير المفتوح عليه قدم على قدم ولي ممن قدمه على قدم نبي من الأنبياء بواسطة الشيخ t وقد كنت شاهدت فيما قبل تاريخه نفسي في الحومة التي كان يسكن بها الشيخ t بفاس المعروفة بزقاق الرواح وهناك بغلة صاعدة نازلة مع تلك الزقاق والناس ينحاشون بأنفسهم منها وهي تهرول وتضرب برجليها من تعرض لها في الطريق فداخلني منها خوف كبير فدخلت إلى درب هناك وصعدت بنفسي إلى مرفع هناك فصرت ممتدا عليه فإذا أنا بضريح الشيخ t من الزاوية المباركة التي بفاس إلى ناحية قدمي وأنا أنظر إلى ذلك خائفا من تلك البغلة من أن تصيبني حيث دخلت للدرب الذي أنا فيه وهي تضرب برجلها وتقفز بيديها فلم تصل إليّ وإذ بصوت من القبر الشريف t يقول منشدا:

جوابك تحت قدميك هذا     وما تحته فهو حقا عطاء

فاستيقظت من هذه الرؤيا الغريبة وأنا أكرر البيت المذكور بعد إدخال إصلاح عليه والحالة تلك لم أكن من المفتوح عليهم في شيء وإنما تكون هذه المرائي ونحوها من باب القصص لعلهم يتذكرون فاتضح من هذا كله أن الإمداد المشار له هو على الخصوص لا على العموم وهو واضح بمراجعة كلام الشيخ t المذكور في كتب الطريقة مثل (الجامع لما افترق من العلوم) للعلاّمة ابن المشري التجاني وكتاب (الرماح) للعلاّمة الفوتي و(جواهر المعاني) للخليفة سيدي الحاج علي حرازم برّادة رحم الله الجميع .

الاستفهام الثاني: هل هذا المدد كان على العموم وفيه ما فيه أو كان على الخصوص وعلى هذا فالمدد لهذا الخصوص قبل بروز سيدي أحمد وإنما هو روحه وبعد بروزه للعالم الجسماني فالمدد منه الهيكل الإنساني في المظهر الرحماني ؟

 

اعلم أن الهيكل الجسماني هنا لا دخل له في تبليغ المدد الذي تلقته روحه t  من الحقيقة المحمدية وإنما الاستمداد من الروح للروح وحقيقتها مجهولة والمدد واصل لها في عالم الغيب وهو غذاء روحي تنمو به معارفها وقليل من يشعر به في عالم الحس فالجسم يكون في حال استمداده كاستمداد النبات من الشمس وتغذيته بالمادة الطبيعية الموافقة لنموه بتلك الطبيعة المقيمة له هي مثلها القائمة بالجسم النامي المتحرك وهكذا الواقع في ذلك المدد الساري من الحجاب الأعظم بواسطة هذا الشيخ المعظّم  ولا أدري هل كان الشيخ t يحس بسريان المدد الروحي منه لغيره في العالم الروحاني وهو ظاهر مما ذاقه من حلاوة السر المفاض على غيره بمقتضى الوساطة التي هو متصدر في منصبها أو كان في شغل عنه ثم أن قيامه بالإرشاد للحق وتلقين طريقته لمن طلبها منه من الخلق ليس هو المعنى بذلك المدد لأنه خاص لخاص لا يعرفه إلا الخواص وقد عرف ذلك بتعريف النبي ِe له وقد يقع لبعض العارفين شعور بذلك المدد من هذا المدد فيراه ممتدا منه إليه لكن بعد ظهور الهيكل فيعرف الشيخ َt باسمه و عينه وقد يراه قبل ظهوره فيجتمع به اجتماعا روحيا و يعرف اسمه و وصفه بالإلهام الخاص و المشرب الخاص من الإرث النبوي للعارف به مثل الولي العيساوي الذي قدمه على قدم سيدنا عيسى u  فإنه صرح باسم النبي e لقومه بمقتضى ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد حتى يحصل لذلك الوارث بمقتضى الإرث التصريح باسمه أو كنيته بعد الاجتماع به كما وقع للشيخ الأكبر ابن عربي الحاتمي قدس سره فانه في فتوحاته انه إجتمع بالختم بفاس و صرح بكنيته بأبي العباس في كتابه عنقاء مغرب في فتح طلسم منها  وحمله شارحها الشافعي من علماء القرن العاشر على الخضرu ولوح إليه شارحها أيضا الشيخ زكرياء الأنصاري رحم الله الجميع ولكن غالب العارفين يرون المدد الممتد لهم من الحضرة المحمدية عليها السلام ساريا لهم بلا واسطة ومن ازداد منهم تحققا رءا هنا خيالا في التوسط بينهم وبين ذلك الاستمداد وما هو إلا الشيخ t حسبما أعرب بذلك عن نفسه وليس في هذا التوسط ولا في القرب الحاصل للشيخ قدس سره من النبي e نقص في جانب النبوة إلا عند من أراد تلطيخ جدار الجناب الطاهر من علماء الظاهر اعتمادا على تفقههم وتعقلاتهم التي رمت بهم في مكان سحيق بانتقادهم الذي لا نفع فيه لهم ولا لمن وافقه عليه من قرنائهم   الإشارة على أن المقارنة بالسبابة و الإبهام في قول الشيخ t روحي وروحه ٍu  هكذا المقصود به شدة القرب منه و ليس فيه ما ينكر عند من عرف الحق وقال به و قد حدثني شيخنا العارف بالله سيدي ومولاي أحمد العبدلاوي t أنه إجتمع ببعض المفتوح عليهم في الحاضرة التونسية وأخبره بأنه شاذلي الطريق ومع ذلك فإنه يرى ذلك المدد الواصل له من الحضرة المحمدية هو على يد الشيخ t وهذا واقع بعد وفاة الشيخ َt فبهذا الإمداد نوع من إمداداته التي حصلت له  مما بان لبعض الخاصة أما الإمداد الخاص فإنه لا يظهر لأحد إلا لمن تقدمت الإشارة إليه و الله أعلم وأما قولكم فإن كان لا يعلم الممد بفتح الميم الثانية هذا الممد بكسرها فما الحكمة في إيصاله على يده فاعلم أن ذلك يرجع إلى حكمت الحق في إعطاء الأشياء حقها فان أفعاله تعالى  كلها منوطة بالحكمة بل هي نفس الحكمة وبمقتضى لطفه بعباده جعل الوسائط فيما يتجلى به لهم ولو لا تلك الوسائط لأضمحل العالم ولاحترق كل ما أدركه بصره كما تقدمت الإشارة إليه في التمهيد الأول فالوسائط حجب تتلقي النور الفائض من حضرة الغيب التي لا يمكن للعقل أن يتصور بها في كيفية لأن الكيف مجهول والتجليات تقضي بالتجلّي عليه بتلقيه على قدر ما منحه الحق من القوة وليس الخلق في ذلك سواء وأعظم حجاب في الكون الحقيقة المحمدية عليها السلام فلولاه لاضمحل الكون بكل ما فاض من الحضرة القدسية فهي المتلقية له ثم يفيض منه لوارثيه كل واحد منهم على قدر قابليته لتلقي تلك الأنوار التي لا يقف أمامها إلا القوي الذي قدّر فيه استعداد لذلك ولولا أن سيدنا الشيخ التجاني t تحقق بكون حقيقته هي القائمة تحمّل تلك الأمداد البارزة عن الحقيقة المحمدية بعد فتور قوة النور المحرق لمن صادمه أمامه لم يدّع هذه الدعوة ولا تجرّأ بعد معرفته بالله أن يدخل بنفسه في هذه المداخل التي ما وراءها إلا الطرد من الحضرة التي لا يدخلها إلا الصادقون والمصدّقون ولا يجني ثمارها إلا المؤمنون بالغيب مبشّرا أحبابه بما أحرز عليه من تلك المبشرات ولعمري ما المحوّج للشيخ في إدّعاء هذه المرتبة لولا أنه متحقق بمقامه وإقامته فيه عن يقين تام فمقام بحق الشكر بالتحدث بذلك وأعرب عن معنى ذلك في بساط التفهيم لمن يهمّه معرفة ذلك لا يقال إن الخوض في مثل هذا مما لا ينبغي لأنا نقول إذا كان لا مسيس له في الحظ من النبوة ولا من الربوبية فالخائض فيه إما لموجب سؤال أو إفادة بعلم لمن يهمّه الاستطلاع عليه من الرجال فلا يليق بالموفق إلا التسليم لمن تمكّن في هذا المقام وجال في ميدانه الفسيح المجال لا يقال قد ورد النهي عن تحديث الناس بما لا تقبلهم عقولهم لأنا نقول العارف المأذون له في التعبير عن المعارف هو في حيّز المأمور بالتبليغ الذي لا ينبغي له فيه كتمان سيما فيما أمر به من الجواب فمن المتواتر من الحديث عن سيد الوجود e { من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار } فهذا الحديث على إطلاقه يعم من كتم المعارف عن مستحقيها ولا عبرة بغير المستحق إذا عثر عليها فهي في حقه على حسب قابليته وإن قيل بتخصيصه حتى لا تضيع الحكمة بوضعها في غير محلها ولكن العارفون لهم الاجتهاد المطلق بمقتضى ما يرد عليهم في التجلي حتى لا يفوتهم التخلق بأخلاق الحق بسريان كلامه المنزّل على سيد الخلق فقد قال تعالى فيه ( يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا) فالحكمة إذن في إيصال الممد بفتح الميم بالمدد على يد الممد بكسرها هو الرفق بالممد مع الإنعام على ممده الذي هو الواسطة بذوق طعم ما فاض من الحضرة المحمدية عليها السلام للمفاض عليه بواسطته أو بواسطة لنبي من الأنبياء وهي من النعم التي عظم قدرها وكبر شكرها وبه تعلم الجواب عن كون الشيخ t ينتفع بهذا المدد أو لا وفيه كفاية للمعتقد ولا كلام لنا بعد هذا البيان مع المنتقد فلنضرب عنه صفحا والله الموفق .

 

 

 

الاستفهام الثالث: هل يعلم الممد بفتح الميم الثانية بالممد بكسرها ؟ فإن كان لا يعلمه فما الحكمة في إيصاله على يده ؟ وإن كان يعلمه فلأي شيء يتقيّد المريد بشيخ وستقي من آخر وقلتم أن الالتفات يقطع المريد؟

لا شك أن الالتفات عن الشيخ t بأخذ طريقة أخرى على طريقته قاضي بانقطاع مريده الفاعل لذلك كما ينقطع بترك الورد وزيارة الأولياء الأحياء و الأموات زيارة تعلق واستمداد و نحو ذلك مما هو مقدر من أسباب الانقطاع و قد من الله ذلك بمنه  أما الانقطاع بأخذ طريقة أخرى فلأن المريد قد نقض العهد المأخوذ عليه في كونه ينفرد بهذا الورد بالتزامه للقيام بهذا الشرط مثل التزامه لما بقى من الشروط وقد نقض هذه العقدة فلم يقف عند الحد الذي ألزمه بالوقوف عنده مرشده فقد خرج عن حكمه بما نصح له فيه ملازمته على وجه الاستقلال به لتحصل له خاصية ما هو مستقل به وما بصدده من تقويته على ما يرد عليه من أعباء السر المنوط به عندما تتمكن فيه قابليته قبوله بما لازمه مما إلتزمه من الأذكار المأذون له فيها لكون الأذكار كالأدوية التي يشير بها الطبيب عنها ما يكون مقدمة لدواء ءاخر ومنها ما يلزم الوقاية منه وعدم تخليطه بدواء ءاخر والمريض يكون دائما على خطر إذا كان بين طبيبين خصوصا إذا خالف طبيبا ماهرا فيما أشار به عليه ، فانقطاع المريد عن شيخه هو من هذا الباب فأحرى إذ اترك الورد ولم يأخذ عهد شيخ ءاخر لكونه تهاون بما أخذ عليه العهد بملازمته ، وبتركه لذلك انقطع حبله المربوط بشيخه ولو بقي منتسبا إليه إلا أنه يكون كالعاق لوالديه الذي لازال لم يفضي العقوق به إلى البراءة من والديه منه فربما يرجع عن عقوقه ويتوب مما صدر منه وهكذا هذا المريد الذي لا زال منتسبا لشيخه معه تركه للورد المأخوذ عليه الإذن فيه أو مع تهاونه في ادابه فربما وفق للتوبة فيقضي ما فاته ويتدارك أمره بطلب تجديد الإذن له فتحصل له العناية ويصادف مجددا موافقا له على إذنه في قضاء ما ضيعه وأداء ما يلتزمه من السلوك في طريقته بالمحافظة على ما تلقى الإذن فيه وإلا دام انقطاعه ولا يصح له بأحد بعد ذلك انتفاعه، وأما الانقطاع بزيارة الأولياء فالإخلال بالشرط أيضا ، فكل الشيوخ عندهم هذا الشرط مشروط ومن غفل عن اشتراطه منهم  بالاعتماد على صدق المريد في التوجه على يد شيخه فهو في المعنى مشروط عليه ، ولما للشيخ َt من اعتناءه بأصحابه بين لهم هذا الشرط ، وقد تعرضنا في ما كتبناه من تآليفنا لهذه المسالة بما فيه كفاية ، إلا أن ما أوردتموه هنا في السؤال عن كون الممد بفتح الميم إذا كان يعلم بممده الذي هو الشيخ هنا فلأي شيء يتقيد المريد بشيخ ويستقي من آخر؟ فإن هذا الشيخ الأخير الذي هو الواسطة بين النبي e في الإمداد وهو الشيخ التجاني حسبما أعرب عنه بنفسه بالبرهان الآني قد أفاق لحكمة تفتير حرارة النور الفائض لآنية ذلك الشيخ الذي هو شيخ المريد المستمد بواسطة شيخه بذلك النور وإلا لما قدر المريد على حمله كما أن النور الفائض من الحقيقة المحمدية على الأنبياء الفائض لمن هم على قدمهم على يد الشيخ قدس سره لوساطتهم في تلقيه منهم ما قدر الشيخ على حمله ليمد به ورثتهم فمن ألطاف الحق بالكون كان الحجاب واسطة في تلقي ما يفيض من الجناب الأقدس على الكون وإلا لأضمحل الكون لعدم قدرة أي مخلوق سواه على تحمل ذلك وكان الواسطة بين الخلق وبين الرسول في إمداد غير الأنبياء بوساطتهم وفقا بالشيخ t فيما يتلقاه بوساطتهم وما تقدر آنيته على حمله لا يحتاج فيه لواسطة له منهم بين الحضرة المحمدية المقدر له ولغيره مما يتلقاه منها ومنه يفيض لمن قدر له ذلك ترتيبا بديعا بسابق العناية لطفا بالعباد كما قررناه أولا ومن فهم هذا عرف السر في توقف الذاكر للإذن له من الشيوخ في الأذكار ليحصل فيه استعداد لقبول ما يفيض عليه من أسرارها و إلا حصل له الضرر أكثر من النفع في ذكرها بلا إذن فالإذن فيه تفتير لحرارة أنوار الأذكار حتى لا يتضرر الذاكر بما اشتملت عليه من الأسرار هذا ونحوه مما تقرر عند العارفين به وقرروه لمن قبله بينهم فحملته آنيته فأنتفع به لحسن ظنه وقد ذكرنا فيما قررناه سابقا أن بعض المستمدين يفتح عليه فيبرر الواسطة الذي بينه وبين الحضرة المحمدية في إفاضة المدد عليه ولو لا ذلك المدد لانصرفت الموجودات لكونه من سر القيدمية التي هم من أسرار القدر الذي لا إطلاع لأحد عليه إلا لمن اختص به بالمدد بواسطة الشيخ t قد تحقق لدى من عرفه ولا كلام مع من جهله أو أنكره بين ذوي المعرفة على أننا إنما أفضنا القول فيه مجاراة للسؤال وإلا فما لنا دخل في الجولان في هذا المجال مع أن الخوض فيه وفي جميع الشطحات  التي يقف أمامها من لا تحمله آنيته وما هو من الطريق في شيء فإن الطريقة التجانية و الدخول في زمرة أهلها غير متوقف على إعتقاد مضمن هذه المقالات إلا من حيثية تعظيم ما ينسب للشيخ t منها ونسبة الخطأ في مثل ذلك لناقله أولى لكونه منقولا عن الشيخ بعبارات مختلفة مع كون الشيخ t قد قال :< إذا بلغكم عني شيء فزنوه بميزان الشرع > فهو متبرئ مما يخالف الشرع وبكن يحتاج في طرح ملا يوافق الشرع مما يبلغ المريد عنه إلى باع طويل ممتد من علم فروع الشريعة إلى أصولها و الاستطلاع على الأدلة النقلية بإجمالها و تفصيلها ليتمكن له القبول لما يبلغه عن الشيخ t أو عدم القبول ومع ذلك لا يليق بالموفق أن يبادر بالانتقاد على ذوي الاعتقاد فغن الانتقاد لا يأتي بخير والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .

السؤال السابع عشر : لنا وازع قوي لسماع القصائد الإلهية و النبوية وخصوصا ديوان ابن الفارض والنابلسي والبرعي والقزازي ومجموعة النبهاني وغيرهم من الأطالب الذين بمقالهم تشعر النفوس بنقصها وتستغرق في ظلام المذلة الواسع أمامها بما يتركها تندب على نفسها حين ترى ما أعطاه الله من الإفاضة المقدسة للقلوب المطهرة وكيف جرت على لسان أربابها بالحكم المنبهة للغافل والمشجعة للجبان والباعثة على إحياء مكارم الأخلاق والملفتة بكل قواها على محبة الله وصحبة رسوله والسلف الصالح والقصة من سماعها تنشيط النفس للدار الآخرة على أن ذكر الصالحين عبادة وبذكرهم تنزل الرحمة .

فهل على التجاني من منع إذا قصد هذا السماع بهذه النية مع الاحتفاظ بكل ما أحتفظ به الشرع الشريف أم لا منع عليه ؟ وإذا قلتم لا منع عليه وحصل له انبعاث في نفسه من سماع هذه الأمداح أداه ذلك إلى النشاط إلى اكتساب فعل الخير فهل هذا يعد التفاتا عن الشيخt ؟

الجواب : اعلم أن كل من فيه عاطفة أدبية بل من فيه شعور بشاعرية نفسية ونحو ذلك ممن يذوق المعنى في المبادي إلى النهاية في الترقي في مدارج المعرفة إلا ويجد من نفسه ميلانا لسماع صوت ساذج وغير ساذج مما يلائم طبعه بما عليه خلقه من جبلّة غريزية في الإنسان وحتى في الحيوان فيثور في عالمه الباطني وجد أو لم يجد قدرة من نفسه على كتمانه عنها فيساعدها عن استغراق وقت في السماع أو يطاوعها باستفراغه لذلك طبق ما يقضي به عليه الباعث الدافع للأمام أو الوراء محمودا أو مذموما وفي هذا المقام تتفاوت النفوس في الإعراض عن السماع بآ لة وبدونها على  حسب أغراضها في استجلاب ما ينفعها أو دفع ما يضرها بذلك ولنقل لك هنا ما قاله إمام أهل الحقيقة الشيخ أبو العباس سيدي أحمد زروق في قواعده ففيه تحقيق المناط مما يرجع للسماع وحاضريه بشعر وبغير شعر ثم نأتي بما لدينا في ذلك فإنه قال :<< استجلاب النفوس بمباعدة طبعها أحرى لتقريب نفعها فمن ثم وقعت المنفعة بالإزجال والقصص في تعريف الطريق والإشارة إلى حقائقها لكن رابحة البساط مصاحبة لما خرج منه فلا يستفاد فائدته إلا معه ولذلك لا تجد مولعا بالشعر صرفا له حقيقة في ديانته وإن كانت جمع حيرة ودعوى لأنه مصحوب بها في أصل وجوده غالبا وشرط عند القائل به ثلاث ــ ثم أشار إلى الثلث المشروطة في السماع التي يتعين مراعاتها فقال ــ إذا وقف أمر على شرطه في صحته أو كماله روعي ذلك الشرط فيه وإلا كان العمل خارجا عن حقيقته وشرط السماع ثلاث:

- أولهما: مراعاة الآية التي يقع فيها ومعها وبها وعلى الزمان والمكان والإخوان.

- الثاني:  خلو الوقت عن معارض ضروري أو حاجي شرعا أو عادة                  إذ ترك الأولى للرخص تعريض بالحق وإخلال بالحقيقة .

- الثالث: وجود الصدق من الجميع وسلامة الصدر في الحال ولا يتحرك متحرك إلا بغلبة وإن فهم منه غيرها سلّم له الأدنى وأدّبه الأعلى وذكّره القريب>>.

وبعد تقريره لما لابد منه في حق السامع ومن معه ننقل أيضا من هذه القواعد قوله :<< قال الشافعي رحمه الله تعالى { الشعر حسنه حسن وقبيحه قبيح } فالمتمثل شائع في ذمه ومدحه للمتكلم به ثم هو عند الاحتمال مصروف لنية قائله أصلا أو تمثيلا كسامعه فتعينت مراعاة أحوال أهله والمسموع عليه فلا يوضع وصف دنيّ على عليّ لأنه إساءة أدب ولا بالعكس لأنه إخلال بالحال ومن ذلك ما روي أن أبا سعيد الخراز قال لمن رآه في النوم { إن الحق أوقفني بين يديه وقال تحمل وصفي على ليلى وسعدى لولا أني نظرت إليك في مقال أردتني به خالصا لعذبتك } >> .

وبمراجعة هذه القواعد وما بسطه فيها مما لم نقاله هنا منها تتسع عارضة مطالعها في معنى السماع وما عليه الصوفية ، وعلى كل حال فإن المريد التجاني لا يعد منه التفاتا مطالعته للأمداح النبوية والقولة على لسان الحضرة والفهم عن الله فيها وبالأخص مثل القصائد التي أشرتم إليها مع القصد الذي ذكرتم فهو في حق أمثالكم الذين عرفوا ما قصدوا ممن يهون عليهم في سلوك طريقة القوم ما وجدوا وإنما الخوف من الدخلاء الذين يحضرون في حضرة تلك الأشعار بلا حضور ولا شعور لهم ، إلا بما يحملهم على ما لا يحمد فعله أو تصوّر من سائر الأمور لا في الورود ولا في الصدور ، فتعظم المصيبة منهم في ذلك على أنهم وإن فهموا ما فهموه وهموا فيما تحققوه أو تحققوا مما توهموه ترقوا به في حضرة الذكرى أو الذكر أو التذكير أو المذاكرة، وغيرها لو نزلوا في حضيض الشهوات النفسانية بها مما أصابتهم سماع شرها أو فازوا بخير طاربهم الشوق جناح الوجد في حضرة الوصول أو تقاعدوا عن التوصل بأدنى توسل للقصد وبلوغ السول ، كان ذلك في حقهم مباحا أو غير مباح فلا منع على المريد التجاني منهم من حيثية سلوكه على منهج طريقه ولا يعد ذلك التفاتا منه بين ذوي الحقيقة، على أننا لو فرضنا أن ذلك منه معصية فهو لا ينقطع عن حبل شيخه ، سيما وقد تحقق لدى المحققين في هذا المجال أن من فهم مقاصد العارفين في أبياتهم وقصائدهم ضرب له سهم من معارفهم وفهم عن الله ما تقر به عينه ويزوح عنه غينه  على قدر ما لديه من العلم وإصابة الفهم، ولقد جلسنا بمجالس بعض شيوخنا كالعارف بالله أبي العباس ابن الخياط الزكاري الفاسي الشاذلي وشيخنا العلاّمة الرئيس سيدي الحاج عبد الكريم بنيس التجاني وغيرهما رضوان الله عليهم، فكانوا إذا سمعوا كلام ابن الفارض ونحوه تنشرح صدورهم ويعظم من حاضريهم سرورهم ويكشفون عن مخدرات المعاني الحجاب ، ويخرجون من أسرار المعرفة بالله للناس ما يبهر ذوي الألباب ويتمنى من ذاق من كأس معرفتهم أن يمتد الوقت الذي حضروا فيه، ثم إذا حضر وقت الصلاة قاموا لأدائها على الوجه الأكمل حتى يتمنى من صلى معهم أن يحضر للصلاة معهم كل وقت، ويجد من الحضور معهم ما لا يجده لو استغرق فيه الأنفاس وقد تذكرت حضوري معهم بما ذكرته في سؤالك:

وحدثتني يا سعد عنهم فزدتني     غراما فزدني من حديثك يا سعد

وهذا بعض ما لديّ في ذلك ولقد تقدّم فيما نقلناه عن ( القواعد الزروقية ) ما تزداد به يقينا في السماع وأهله ، وبسط القول في تفصيل الحكم فيه سيدنا t في جواب سؤال مذكور في ( جواهر المعاني ) فلا نطيل بنقله، لأن السؤال هنا لم يكن عن الحكم المنوط به وقد فرغ الناس منه قديما وحديثا، والمريد التجاني وغيره في ذلك الحكم على حد السواء منوط به التفصيل الذي قرره مبيحوه ومانعوه مع شد اليد ، على أنه لا يعد التفاتا منه عن طريقه وفي هذا كفاية والله الموفق .

السؤال الثامن عشر : ذكر الشيخ السنوسي ي شرح ( صغراه ) عند تعرضه للكلام على الهيللة ما نصه :<< وعن بعض الصحابة y من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه ومدّها بالتعظيم غفر له أربعة آلاف ذنب من الكبائر >> فهل هذا الأثر صحيح ونقل الشيخ له وسكوته عنه يدل على صحته، وعلى صحته فغفر الكبائر غير متوقف على التوبة ولا عفو الله تعالى وعليه بقولهم الكبائر لا يكفّرها إلا التوبة أو عفو الله؟ نحتاج فيه إلى مزيد بيان لنفهم ونعلم .

الجواب : إن هذا الحديث الذي ذكرتموه هو مما ورد في فضائل الأعمال ولا شك أن قول لا إله إلا الله بالوصف المذكور من الأعمال، ولا يعتد بشيء من الأعمال إلا بقبول الحق وقبوله لا يكون إلا بمحض الفضل والكرم، وبهذا أجابوا عمنا أوردوه في قوله تعالى ( أدخلوا الجنة بما كنتم تعملون ) من قول النبي e { والذي نفس محمد بيده لن يدخل الجنة أحدا بعمله ــ قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ــ ولا أنا إلا أن يتغمدّني الله بمحض فضله وكرمه }، فتبيّن من هذا أن غفران الكبائر وغيرها متوقف على عفو الله تعالى ، ولا اعتداد بتوبة ولا بغيرها إلا بعد قول الحق لها مع الأعمال، فقول السائل هنا فغفر الكبائر غير متوقف على التوبة ولا عفو الله تعالى غير صواب ولا يدل عليه دليل لا هذا الحديث ولا غيره، ولو كان النطق موافقا للاعتقاد مع وجود التعظيم لأنه لابد من التوبة من الذنوب ولا اعتبار بالتوبة إلا بالقبول، زيادة على كون الأعمال لا تقبل إلا بمحض الله وهو المذهب الذي عليه أهل السنة ، وهذا كله على فرض كون هذا الحديث صحيحا ، وأما سكوت الشيخ السنوسي عنه فلا يفيد صحته ونقله عن بعض الصحابةt يظهر أنه من قبيل لا المرفوع، لأنه معناه وما انطوى عليه لا يقال من قبيل الرأي ولقد نقله في راموز الحديث بلفظ { من قال لا إله إلا الله ومدّها هدمت له أربعة آلاف ذنب من الكبائر }، من غير تعرض لراويه ولا مخرجه ، كما نقله الشيخ أبو علي اليوسي رحمه الله في تأليفه ( مشرب العام والخاص من كلمة الإخلاص ) بلفظ << وعن بعض الصحابة y {أن من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه ومدّها بالتعظيم يغفر له أربعة آلاف ذنب من الكبائر قيل له فإن لم تكن له أربعة آلاف ذنب من الكبائر قال يغفر من ذنوبي أهله وجيرانه} >> فهو مع الزيادة المذكورة مروي عن بعض الصحابة ولم يسمّ راويه ، وقد ذكره العلاّمة اليجوري رحمه الله ونسبه للبخاري بلفظ << وقد ورد {أن من قال لا إله إلا الله ومدّها هدمت له أربعة آلاف ذنب من الكبائر قالوا يا رسول الله فإن لم يكن له شيء من الكبائر قال يغفر لأهله ولجيرانه} رواه البخاري >>، ونسبه للبخاري عليش في شرحه لـ ( إضاءة الدجنة ) ولعله تبع في ذلك الشيخ اليجوري المذكور ، ولعل البخاري ذكره في غير صحيحه وليس فيس كتابه الأدب المفرد، وليس من الأحاديث التي عليها رونق الصحيح لما في متنها من التعرض للأجر الكثير على العمل اليسير، وعلامة غير الصحة ظاهرة من خلل ألفاظه وإن نقله من ذكرناه عنهم والله أعلم .

السؤال التاسع عشر : ما حكم التصوير باليد أو بالآلة؟ وهل للصورة حكم التصوير؟وهل لا فرق إذا كان المصور آدميا أو غيره؟ وما حكم تعليق ما لا ظل له بالبيت؟ وهل يمنع دخول الملك ولو كانت الصورة بكتاب؟

الجواب: لا شك أن عموم الأحاديث الواردة في الصور والتصوير لم يقيّد بكونه بآلة أو بيد ،ـ فالملائكة لا تدخل بيتا فيه تصاوير مطلقا فكل ما يطلق عليه صورة يدخل في حكم ذلك حسب التفاصيل المذهبية، وقد بيّنها الشيخ سيدي علي الأجهوري فقال:

وتمثال ظل إذا دام حرّموا     وما لم يدم أيضا واصبغ حالفا

وما ليس ذا ظل وصاحب سنة     فترك له أولى وقيت المخالفا

وإن يعر عنها فهو يكره     بغير تماثيل الجمادات فاعرفا

فأما تماثيل الجمادات فجائز     كناقص عضو من سواه فلا خفا

قال العلاّمة الرهوني وذيلته فقلت :

ولكن ذا رد صوابه إنما     يجوز كرجل للبهيمة تقتفى

ثم من المعلوم أنه يحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور، وهي قاعدة عمرية عزيرية تلقاها علماؤنا بالقبول ورجعوا إليها في أمور لم يجدوا فيها مخرجا من حرج نوازل ضاقت بها الصدور ، فقد اختلط في زماننا هذا الحابل بالنابل والملحد بالموحد ، وأقبلت الناس على الدنيا أكثر من ذي قبل خصوصا من طلبة العلم الذين رأوا زخرفة التآليف بالصور داعية لروجانها مع ما رأوا من تقريب الأشياء بالتصوير اليدوي مع حسن الصناعة فيه بالآلة الشمسية ، ولا يحصل على الشهادة التي يترجّاها إلا من عرف ذلك وأكثر من ذلك، زد على ذلك وإن الشخص يتوقف على تحضير صورته في التاريخ التي يطلبها حتى للذهاب للحج مثلا فلابد من صورته حسب القوانين العرفية، ثم لا شك أن العارض نفسه للتصوير كالمصور بيده، فلم يجد علماؤنا العصريون مندوحة من تطلّب وجه لإباحة تعاطي هذه الصور الآلية لما يحصل بها من علوم دنيوية ومقاصد اقتصادية، وربما يحصل بها لطالب التاريخ في تمثيلها برسم      الخيال علم بقضايا يحتاج في دراستها إلى استغراق زمان ، وقد استحسن ذلك جماعة من علماء الوقت ممن يعتمد عليهم مستفتوهم ، وقال قائل من ذوي المعرفة في نوع من ذلك :

رأيت خيال الظل أكر عبرة     لمن كان في علم الحقيقة راق

شخوص وأشباح تمر وتنقضي     وتفنى جميعا والمحرّك باق

والذي عندي في ذلك أنه لو استفتى أحد من علماء الورع المتقدّمين لم يوجد منهم من يبيح ذلك لأنهم لا إقبال لهم على الدنيا ، ولكن لما أقبل أهل العلم على الدنيا زاحموا أبناءها في طلبها وتحصيلها بأي وجه من الوجوه، واتخاذ أي سبب من النصوص للحصول على الإباحة بالقول بإباحة التصوير بالآلة التي تخرج بالطبع على الورق الفضي وغيره هو الذي اعتده علماء العصر لما ذكر لا بالآلة التي تخرج بها الصورة المتجسدة مما له روح، زيادة على مراعاة قاعدة الضرورات تبيح المحضورات في استعمال ذلك في التسريحات للسفر ولأن يعتمدوا قولا مبيحا لمثل ذلك ، أولى من الإصرار على المعصية والعمل بها لكونه قد يتوقف الشخص على صورتها وإحضارها في شيء لابد له منها حتى لا يخل بالنظام  العرفي والقانون المرعي، وكثيرا من علماء الوقت لا يعترفون بأن التصوير الشمسي بآلة من التصوير في شيء ، وإنما هو طبع صورة في مرآة ماسكة لما تقابله من جماد وغيره و تقضي تكرر طبعه بتحركه وسكونه بعد إخراجه في صفحات انطبعت فيها الصور، ولا شك أن الصورة المتجلية في المرآة الغير الماسكة ليست من قبيل التصوير في شيء، ولقد رأى بعض الصحابة صورة رسول الله e في مرآة كان يرى رسول الله e نفسه فيها، ولا يقول أحد بأن النظر في المرآة مكروه فأحرى أن يكون ممنوعا، ولقد يقع لبعض أهل الكشف فيرى في بعض المحلات بعض الصور بمن كان فيها بجميع حركات أهلها وما صدر منهم فيها منذ دخلوا فيها إلى أن خرجوا وهكذا تنتشر صور الشخص في الأفق في حركاته وسكناته وتطير مع الأثير إلى أن تضمحل وإن لم يرها الراءون أو يراها بعضهم ثم تغيب عنه، ومن استعمل القوة الماسكة لتلك الصور حتى تظهر مرسومة أو في الخيال لا يكون من قبيل المصورين إلا ما كان من الصور التي تخرج بقوالب الإفراغ أو يستعملها المصور من مادة الشمع ونحوه فهي التي يتنزّل عليها مثل قول الرسول e : { إن الذين يصنعون هذه الصور يعذّبون يوم القيامة يقال لهم أحيوا ما صنعتم } فيجر هذا   الوعيد ذيله على المصور من المسلمين وإن كانت بالإفراغ في قالبها أو  الطبع بطابعها ولا دليل في ذلك على تخصيصه بتلك الصور التي شاهدها الرسول e ولا أصحابها الكبار بل الحكم عام في كل صورة وكل مصور من قبيل ذلك لما ورد من الأحاديث في ذلك مطلقة ومقيدة ولا فرق في كون هذه الصور  المتجسدة بارزة للعيان أو داخلة في حيز سترها عن العيون  ويكفي في تنفير نفوس المسلم من اقتناء هذه الصور وعدم دخول الملائكة لمحل فيه صورة فإن الشياطين تزدحم فيه لخلوه من الملائكة وإذا كانت فيه الصولة للشياطين على أهله فلا تسأل عما يصدر منهم فيه من الشرور و المعاصي وحصول الظلمة في القلوب لعدم حضور الملائكة في تلك المحلات ولو  لا أن أباح النظر في المرآة للشخص ولصورة نفسه لقلنا بفرار الملائكة حين تتجلى الصورة في المرآة ولا تحضر عندما يقابلها الرائى ويرى بمرآته من غير أن يرى صورة ويراها الملك فيخرج من المحل الذي هي فيه ولا يدخل لأجل ذلك ولكن الرسول e كان يرى صورته في المرآة و الملائكة لا تفارقه عليه السلام وقد نظر إلى صورة مولاتنا عائشة في التفاحة التي جاء بها الملك من الجنة ونظره إلى ذلك أخذنا منه الاستحباب أو الإباحة ، أما نظره للصور التي أنكرها وأوعد ما عليها فلم يكن منه من قصد نظر للمحرمات ، وإنما أشار إلى ذلك بقصد بيان الحكم الشرعي فالملائكة لا تفارقه لا في تلك السويعة ولا في حال تكسير التماثيل التي كانت في الكعبة المشرفة، وقد استثنى العلماء من النظر للصور أو استعمالها ما كان ناقصا من عضو لا يمكن حياة من هي له بدونها كما تقدّمت الإشارة إليه، واستحسنوا مثال صورة النعل الشريفة وعلّقوها للتبرك بها في محلاتهم وجعلوها في الأماكن الرفيعة المعظّمة وعظّموها إلى حد تقبيلها وتمسّح الوجه بها، ووقع بين العلماء كلام في منع التمسّح بها وتقبيلها خشية تلطيخها ، مثل ما تكلموا أيضا في صورة الروضة الشريفة المرسومة في نسخ دلائل الخيرات وأنشدوا في ذلك أشعارا، ويعجبني من ذلك قول القائل :

إذا ما الشوق أقلقني إليها     ولم أظفر بمطلوبي لديها

نقشت مثالها في الكف نقشا     وقلت لناظري قصرا عليها

ولقد كنت استحسن النظر إلى صور الأحباب الغير المتجسدة فيكبر لديّ الاعتبار بها ، وأطفي بها حرارة الشوق إلى من أنظر إلى صورته منهم وربما ازداد تشوّقا بذلك أو عظيم عبرة بعد وفاتهم، وحصلت مني مذاكرات مع جماعة من فحول علماء قطرنا المغربي وغيره فوجدت جلهم إن لم نقل كلهم يميلون إلى أن ذلك ليس بتصوير، وإنما هو انطباع دخلت العملية طبق ما أشرنا إليه ، وقد كنت ساعدت ولدي عبد الكريم في استعمال توليف يشتمل على صور جماعة من أعيان المغرب ثم داخلني من ذلك ارتياب لشدة الوعيد المنوطة بالتصوير والنظر إلى الصور واقتنائها، فمنعته من إبراز ذلك التوليف وقد قام بعمليته غيره، وعمل جماعة من علماء المشارقة على طبع الصور في كتبهم، فهو وإن كان فيه ما فيه فهو لا يخلو عن فائدة أدبية تناسب الوقت، والحاصل أن الحكم الشرعي المنوط بهذه القضية مرجوع فيه للفقهاء المستنبطين للأحكام من السنة والكتاب، فلا دخل للدخلاء أمثالنا فيه سوى بالتقليد لما حرّروه فلنقف فيه معهم على النصوص في ذلك طبق ما نقلناه مفصّلا، فما على المسلم إلا أن ينزّه محله من تعليق الصور كيف ما كانت متجسدة أو غير متجسدة عظّمت أو أهينت ، والداخل في الستر منها كالبارز في منع الملك من الدخول للمحل التي هي فيه بدليل قوله e :<< لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة>> ، وقد امتنع جبريل u من الدخول للبيت الذي كان الجرو تحت السرير الذي به مستترا ، غير أن الصور التي بداخل التآليف أو على غلافها وإن خفّف فيها وبعضهم يبيحها لا تقوى قوة منع الملك من الحضور بالمحل التي هي فيه، ولقد شاع بين جهلة المريدين في طريقتنا المحمدية اتخاذ الصورة التي يزعم بائعوها أنها صورة الشيخ t أو أحد أولاده وأحفاده وبعض المقدّمين ، فيزينون بها محلاتهم ويعلّقون ذلك قبالة وجههم ليتبركوا بالنظر لذلك، ولربما قال البعض منه أنها تنفعه في الحضور ، وما أشبه هذا الفعل بفعل أصحاب التماثيل فالأولى ستر ذلك عن العين ليكف بذلك من المنتقدين اللسن، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .

السؤال العشرون : ما حكم الحرير الصناعي؟ وهل في الحرير الأصلي رخصة أم لا؟

الجواب : اعلم أن الحرير الصناعي ليس بحرير بل هو في الحقيقة من جنس ما صنع منه مثل الحلفة والدوم المصنوع منه فهو مع كونه يشبهه في التزين به لكن حكمه غير حكم الحرير الأصلي لا في الخاصية ولا في غيرها، وهو مثل المصنوعات الإفرنجية من الياقوت الصناعي والذهب والفضة الصناعي ونحو ذلك مما هو من هذا الباب من كل مصنوع فلبسه غير ممنوع شرعا قطعا، إلا أنه من قبيل الزينة التي لا تكون إلا للنساء ومن في حكمه من المتشبهين بهن من المخنثين، أما الحرير الأصلي باستعماله في حق الرجل حرام إلا لضرورة نقضي بالإباحة ولا أعلم رخصة فيه من غير مزجه بغيره في الأقوال المعتمد عليها في مذهبنا المالكي، ولا بأس أنة ننقل لك هنا كلمة ( تحرير في خالص الحرير ) عن مجيزنا مفتي الحاضرة الفاسية أبي عيسى الوزّاني في معياره الجديد بعد كلام في الحرير المختلط بغيره وفي الخز المنسوج مع غيره ونصه : << وأما لباس خالص الحرير اختيارا فقال ابن رشد { أجمع أهل العلم على أن لباس الحرير الخالص محرم على الرجال } ونحوه في ابن عرفة وحاشية سيدي عبد القادر الفاسي على البخاري ، لكن قال الأبي في شرح مسلم على قوله e

إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة ما نصّه المازري { منع قوم لباس الحرير وأجازه آخرون وفرّق الجمهور فأجازوه للنساء دون الرجال لحديث أسامة فإنه فرّق فيه كذلك ، واختلف في علة النهي فقال الأبهري : لئلا يتشبه بالنساء ،ـ وقال غيره لما فيه من الخيلاء .هذا حكم الحرير الخالص}، زاد الزرقاني علة أخرى للمنع في( شرح المختصر ) فقال{ لأن علة المنع هوة خوف الكبر والسرف } ومثل ما ذكره الأبي للقلشاني في شرح ( الرسالة ) وفي شرح الشيخ التاودي لـ ( الجامع) ، وقال ابن حجر { اختلف في علة تحريم الحرير على رأيين مشهورين أحدهما الفخر والخيلاء والثاني كونه ثوب رفاهية وزينة فيشبّه بزيّ النساء دون مشابهة الرجال ، ويحتمل علة ثالثة وهي التشبه بالمشركين ، قال ابن دقيق العيد : وهذا قد يرجع إلى الأول لأنه من سمة المشركين وقد يكون المعنيان معتبرين، وذكر بعضهم علة أخرى وهو السرف والله أعلم }، ويستثنى من منع الحرير نحو الخط والخطين فجائز لما في الصحيح [ نهى رسول الله e عن لبس الحرير إلا في موضع أصبعين أو ثلاث أو أربع ]، وقال الشيخ جسوس في ( شرح مختصر خليل ) { حكى ابن العربي في ( العارضة)  في الحرير عشرة أقوال أشهر المنع مطلقا للرجال وأغربها جواز لبسه للرجال والنساء } >>، وفيه كفاية والله أعلم.

السؤال الواحد والعشرون : هل للمفتي أن يفتي المستفتي بغير مشهور مذهبه أو له ذلك على وجه يناسب حال المستفتي من عزيمة أو رخصة على أن العامي لا مذهب له وما المراد بالعالم في قولهم من  قلّد عالما لقى الله سالما أهو المجتهد أم غيره؟                                              

الجواب : لاشك أن العالم الذي يقلده غيره ويكون حجة بينه وبين ربه هو الذي أجمع المسلمون على صحة اجتهاده من الأئمة المجتهدين ومن يعتمد من أهل الاجتهاد في المذهب فمن قلدهم لقى الله سالما وأما غيرهم ممن لم يبلغ درجة الاجتهاد وتتطرق إليه الشبه في الاعتقاد مثل أئمة المعتزلة و غيرهم من فرق الشيعة والخوارج والروافض ونحوهم فلا يصح الإقتداء بهم ولا يكون سالما من قلد واحد منهم وإن كانوا في إعتقادهم أنهم على هدى حسب مبلغهم من العلم وهم في الحقيقة على ضلال فالمراد بالعالم في ذلك هو المجتهد من غير الفرق الضالة وما شابهها من مخدوشي العقيدة فأءمة المذاهب الأربعة ومن ضاهاهم من الصوفية كالجنيدي والشاذلي وغيرهما ممن اشتهرت فضله وديانته ينفع الشخص تقليدهم وقد تقرر وجوب الوقوف مع مذهب  وكل من نشأ في أهل مذهب عدّ منهم ولو ارتقى لا على رتبة في العلم  والمعرفة ولذلك قيل أن مذهب الشيخ الأكبر مالكي لكونه نشأ في المغرب وأهل المغرب مقتدون بالإمام مالك فالعامي الذي ينشا في أهل مذهب يعد منهم ومذهبهم مذهبه فلا اعتبار لما يقال من أن العامي لا مذهب له ثم لا يسوغ العمل لغير المذهب الذي تقلد بوشاحه المقلد ولا يخرج من مذهب لمذهب إلا لموجب وعذر مقبول كما هو مقرر في الأصول والفروع خوفا من مصادمة المذاهب واضطراب متقلديها ونحو ذلك من ما تنحل به عقدة المقلد بينه وبين إمامه بخلاف إمام السلوك في نظر بعض الشيوخ وأما جل الشيوخ وفي مقدمتهم سيدنا الشيخ التجاني t سواء تقدموا عليه في الزمن أو تأخروا فإنهم يقولون بلازمة طريقة واحدة لا ينتقل المريد عنها إلا لموجب وعذر مقبول كما هو منصوص عليه في الفروع والأصول ولا يسوغ للمفتي أن يفتي المستفتي بغير مشهور مذهبه ولذلك يستفسره قبل أن يفتيه عن مذهبه ليفتيه بمشهور الأقوال الذي يعتمد عليه فيه وإلا فتح عليه بابا من أبواب التساؤل في الدين والخروج به منه عن سنن المعتدين وكل من تتبع الرخص في مذهبه أو مذهب غيره انحلت عزيمته سواء ناسبه ذلك أو لم يناسبه والله يقول الحق وبه ندين ونستعين .

السؤال الثاني والعشرون : بما يعرف العاقل أنه عاقل أبعقله هذا أم بعقل آخر وهكذا فيتسلسل والله يقول ( ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه )؟                   

الجواب: لايخفى أن الإنسان هو الحيوان الناطق وتلك قوة كامنة فيه تزداد ظهورا في بعض الأشخاص بما منح من نورانية وهيبة وعلامة ظهورها في الصبي عقله القربة ثم لايتحقق بعاقليته في خاصة نفسه إلا  بعقله الذي يزداد تمكن فيه لا بعقل آخر بلا تسلسل حيث أن عقله يزداد نورانية إلى حد يقف مع الموت وقد يرجع عقله  بالقهقرى إلى حد الغيبة عن وجوده بسبب يدخله الشخص على نفسه بنفسه أو بالتسلط عليه من الغير والآية التي سقتم في السؤال صريحة بأن الله لم يجعل قلبين مرتبطين بعقلين متخالفين فلا موجود في شخص ولا  حيوان قلبان ضربريان وإنما في كل شخص قلب واحد يتوجه بوجهة واحدة بنورانية العقل الذي فيه فلا يتوجه صاحبه في حين واحد  لمشرق ومغرب مثلا فالناطقية التي يمتاز بها عن سائر الحيوان هي الأمر الوحيد الموصل للإنسان بمعرفته أنه عاقل ثم أنه يعرف بها العاقل من غير العاقل وإذا ميز بينهما عرف من نفسه أنه عاقل وعرف من غيره أنه عاقل وعرف منه الغير أنه عاقل فقد عرف أنه عاقل بالناطقية التي فيه في مباديها ويزداد بها تمكنا حسب ما منح من نور العقل الذي ينتفع به في الدنيا والآخرة ثم يكون في حق بعض الناس فتنة لهم في أيمانهم بوجود ما منحهم به فقد صرفتهم سابقية العلم إلى ما حجبوا به عن هذا المقام الرفيع الشأن وفتح لهم بعقلهم في علم ظاهر الحياة الدنيا فإن مسمى العقل له وجوه وهو شيء واحد فمن كل جهة التفت إليها يسمى بالعقل فالعقل الذي يخوض به أهل الدنيا في دنياهم يسمى عقلا والعقل الذي يخوض به أهل الآخرة فيها يسمى عقلا والذي يعرف العاقل به أنه عاقل يسمى عقلا فاتضحت الوجهة التي وقع السؤال عنها ولقد قسم علماء المعقول والحكماء العقل بحسب مراتبه إلى أقسام مما هو منوط بالشخص من دهليز العقول العشرة المقررة لديهم وغير ذلك مما هو مطبوع ومسموع فقد أنشد الغزالي في إحياءه لسيدنا علي كرم الله وجهه :

رأيت العقل عقلين      فمطبوع ومسموع

ولا ينفع  مسموع      إذا لم يكن  مطبوع

كما لا تنفع الشمس     وضوء العين ممنوع

وأطال في فضله وذكر حدوده الجرجاني في كتاب( التعريفات) فقال: << هو جوهر مجرد عن المادة في ذاته مقارن لها في فعله وهي النفس الناطقة التي يشير إليها كل أحد بقوله أنا ثم ذكر الخلاف في تعريفه فمنه العقل الهيولاني والعقل بالملكة والعقل بالفعل والعقل المستفاد، وفي كتب الحكمة ما بمراجعته الكفاية فيها كالمواقف وشرّاحها، وذكر الشيخ اليجوري في حاشيته على ( جوهرة التوحيد ):<< إن العقل على خمسة أقسام غريزي وهو غريزة يتهيأ بها لدرك العلوم النظرية كما قاله شيخ الإسلام، والثاني كسبي وهو ما يكتسبه الإنسان من معاشرة العقلاء ، والثالث عطائي وهو ما يعطيه الله للمؤمنين ليهتدوا به إلى الإيمان، والرابع عقل الزهاد وهو الذي يكون به الزهد، والخامس شرفي وهو عقل نبينا e لأنه أشرف العقول، وقد اختلف في تفضيل العقل على العلم أو العكس والراجح تفضيل العلم لأن العلم من صفاته تعالى، وما يروى في فضل العقل فهو موضوع لا أصل له كما صرّح به الجلال السيوطي >>، وهنا تذكّرت أبياتا حفظتها في الصغر في محاورة العلم والعقل يقول ناظمها ولله أبوه :

علم العليم وعقل العاقل اختلفا     من الذي منهما قد أحرز الشرفا

فالعلم قال أنا أحرزت غايته     والعقل قال أنا في الله قد عرّفا

فأفصح العلم إفصاحا وقال له     فأينا الله في كتابه اتصفا

فبان للعقل أن العلم سيّده     فقبّل العقل رأس العم وانصرفا

                                                                                                                                                                                                                                                                      

وفي هذا كفاية.

السؤال الثالث والعشرون : بم يعرف النبي e أنه نبي أبعلم أو بحس أو بوجدان وقد جزمنا أنه يتيقن ذلك إلا أننا أردنا الجهة الموصلة لمعرفة ذلك ومنكم نتلقى ؟

الجواب : مما يتحقق به الشخص العاقل أنه لا سبيل لمعرفة شيء من الأشياء كيف ما كانت إلا بنورانية العقل ونورانية العلم ، ولذلك يقال :

ما وهب الله لامرئ هيبة     أفضل من عقله ومراد به

هما جمال الفتى فإن فقدا     ففقده للحياة أليق به

والناطقية التي في الإنسان تعظم في البعض إلى حد يكاد أن يصل بها من اتصف بها إلى مرتبة تقرب من النبوة، وقد قيل في العرب كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء، وقد تنقص عن بعض الأشخاص إلى حد يعدّوا من جنس البهائم وهم في صورة الحيوان الناطق ولا كلام لنا في مثل هذا الشخص، وإنما كلامنا في الإنسان الكامل في الناطقية ثم في الشخص الأعلم، ويتفاوت الأشخاص المحصّلين على العقل والعلم فيما بينهم في الأعقلية والأعلمية من أصغر ولي إلى أكبر نبي عليهم السلام، وقد يعلم الولي أنه ولي بالكرامة التي أعطاه الله وهي ظنّية في الدلالة على ولايته بها وفاقا للأستاذين الكبيرين الإمامين أبي علي الدقاق وأبي القاسم القشيري، كما يعلم النبي أنه نبي بالمعجزة التي خصّه الله بها ودلالة المعجزة على النبوة قطعية، والنبي يعلم أنه نبي بهما بنور العقل التام فيه ونور العلم ولولا العقل والعلم لم يتميّز النبي من غيره، وهناك لطائف سرية بين النبي وربه يتحقق بها مقامه لديه في النبوة والرسالة خصوص ولايته في هذين المقام، كما يكون ذلك أيضا لا بهذه المكانة للأولياء بقطع النظر عن الكرامة في حق الولي وعن المعجزة في حق النبي والرسول، وجعل بعضهم الكرامة معجزة ومن جنسها إلا أنها بلا تحدّ، وبعضهم يقول الكرامة بالاصطلاح شيء محدث بعد زمن النبوة، وعلى كل حال فقد يعلم الولي أنه ولي بكرامة وبدونها بما أعطاه الله وأسداه إليه من نور المعرفة به، ثم هو في خاصة نفسه يقضي عليه المقام الذي حصل عليه أن يكون غير آمن من مكر الله، أما النبي فهو يعلم أنه نبي من جهات منها ما هو بالعقل ومنها ما هو بالعلم، وهما منبع تحققه بما يظهر له في الحس  أو يحصل له من الوجدان بذلك من أسرار أخرى لا مجال للعقل فيها، وليس عقل النبي وعلمه كعقل غيره وعلمه فإن النبي أعلى وأعلى مما لا يتطرّق إليه فيه أدنى شك وهنا أيضا معارف حصلت لبعضهم عليهم السلام بما فضّل الله به بعضهم على بعض من تكليم الله وبالوحي إليهم ونحو ذلك فتيقّن النبي بأنه نبي لم يحصل له إلا بعد علمه بنبوته ورسالته في خاصة نفسه من الجهة التي توصل بها لذلك من عقله وعلمه وما نتج عنهما، ولم يتم التيقن إلا بمخاطبة الحق له بأنه نبيه أو رسوله، وقد صح أنه ما كان معجزة لنبي يصح أن يكون كرامة لولي إلا الإتيان بوحي أو وجود ولو من غير أب، لأن الأخيرة معجزة في حق سيدنا عيسى u دون غيره، وبما قررته أظن استوفيت الجواب عن هذا السؤال حقه وهو واضح، وقد أطال صاحب ( المواقف ) فيها الكلام على النبوة وأصحابها والولاية وأربابها، بما يزداد به المطّلع على تحقيقات موضوع ذلك فليراجع من شاء ذلك الجزء الأخير منها وبالله التوفيق .

السؤال الرابع والعشرون: ما وسعني سمائي ولا أرضي ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن، هل هو حديث وما معنى الوسع؟

الجواب : هذا ليس بحديث، وقد سئل عنه وعمن رواه العلاّمة ابن حجر الهيثمي وأجاب عنه بما في أجوبته من قوله :<< لا أصل له عن النبي e وإنما هو مذكور في الإسرائيليات وقال الزركشي {هو حديث باطل من وضع الملاحدة} انتهى، وذكر جماعة له من الصوفية لا يريدون به حقيقة ظاهرة من الإتحاد أو الحلول لأن كلاهما كفر، وصالحوا الصوفية أعرف الناس بالله وما يجب له وما يستحيل عليه، وإنما يريدون بذلك أن قلب المؤمن يسع الإيمان بالله تعالى ومحبته ومعرفته>> وفيه كفاية.

السؤال الخامس والعشرون : كيف نعمل في الصوم والإفطار في هذا الوقت الذي لا يلتفت فيه إلى حكم من أحكام الشريعة، أنصوم ونفطر بمجرد شيوع الخبر بأن الشهر رئي ورآه فلان وفلان وعند التماس تحقيق الخبر نجده لا شيء له من الصحة؟ أو لابد من ثبوت الشهر  برؤية العدلين أو الجماعة المستفيضة أو كمال العدة ولا يلتفت لقول منجّم ولا حاسب ولو في خاصة النفس؟ وهل الأمارة الدالة على غلبة بغير الثبوت والتعميم ومن هنا خبر التلغراف الرسمي يأتي فيقول الشهر ثبت شرعا ،أيكتفي بهذا الثبوت وإن كنا لا ندري بما كان الثبوت أبعدل واحد على مذهب المخالف أو على الحساب وعلى الثبوت ، فهل يلزم المبرق  لهم خاصة وإن لم يسألوا ابتداء أو إلا أن يسألوا ، وهل يعم البلاد شرقا وغربا وهل هو خبر أو شهادة وعلى أنه شهادة فهل لا تعتبر على القائمين عليه العدالة لقول خليل وقبل عند التعذر غير عدول وإن مشركين وما هي العدالة المشترطة في هذا الزمان ؟

الجواب : هذا السؤال وما انطوى عليه من المسائل مقرر حكمه في كتب الفقه بأبسط عبارة و المتعين في ذلك كله الوقوف مع المنصوص عليه والعمل عليه وقد قالوا :

إذا عدم الفقيه وجود نص     تمسّك لا محالة بالقياس

وقد أفردوا مسألة الأهلة بالتأليف ونأتيك هنا بمحصل ما قال الفقهاء باختصار لفروع السؤال فاعلم أن ذمة المكلف عامرة  بيقين لا تبرأ منه إلا بتيقن ، فإذا ثبت الهلال برؤية مستفيضة أو بشيوع الخبر بين المسلمين تعين الصوم في رمضان و الإفطار في غيره وإن حصل الشك في إثبات الهلال فالمطلوب التوقف عن الإفطار إلى تحقق الخبر من النواحي الغربية والعمل بعد ذلك على ما --- له الصور بعد ذلك ولا إلتفات لمنجم ولا لحاسب وليس استفسار شهود رؤية الهلال من طرف  كل مكلف بل ذلك من دأب قاضي البلد أو الناحية التي بها المكلف فيخاطب بما ثبت لديه ولهذا راعى الشرع العمل بشهادة عدلين بثبوته وبعد تمام الشهر ثلاثين ولم يستهل الهلال كذبا فإن عتم الهلال فالعمل على الإتمام وحيث كان لا عمل على قول منجّم أو حاسب في حق العموم ، فالعموم نفسه والمنجّم كذلك لا يتعيّن عليه الصوم اعتمادا على علمه الذي براهينه قطعية ولا ينبغي مجادلته فيها، إلا من حيثية كونه معدنا للخطأ فلذلك لم يقع الاعتماد عليه شرعا لأن العامل ببراهينه قد يحصل له الخطأ من حيث لا يشعر، فنحن لا يدخلنا شك في كون العشرة ثلث الثلاثين ولكن جمع أفراد الثلاثين حتى تم عددها قد يدخله الخلل يجزم الحاسب أن العد ثلاثون، وهو في الحقيقة تسع وعشرون فبنى عمليته على العلامات وقد أخطأ فيها كما يخطئ المنجّم في حساب الطالع، فيقضي بتمام الشهر أو نقصانه اعتمادا على ما حققه في ذلك وهو مبني على غير صواب، والحاصل أنه لا عمل على قول النجّم والحاسب لا بالنسبة لنفسه ولا بالنسبة لغيره ، أما بالنسبة لنفسه في الإفطار فظاهر وهو ملزوم بالكفّارة إن أفطر اعتمادا على ما يراه ، وأما في الصوم فمن الورع تربصه في ترك فطر يوم الصوم عنده إلى قدوم مجاوي محل إقامته وإن صام اليوم كله وأفطر غيره ممن لم يثبت الشهر لديهم فيتعين عليه قضاؤه، ثم أنهم قد فصّلوا في ثبوت الشهر في المحل الذي يقع الاعتناء بمراقبته وبين المتساهلين فيه، فأما في المحل الذي يقع الاعتناء به فلابد من ثبوته بعدلين أو لا يقوم  

مقامهما وفي غيره يثبت حتى برؤية امرأة، ولا شك أن غلبة الظن بالأمارة الدالة على صدق المخبّر والشاهد بذلك تفيد الثبوت والتعميم في ناحية الرائي، ويلزم الرائي وأهله العمل بمقتضى رؤيته في الصوم لا في الإفطار، أما التلغراف الرسمي بثبوت الشهر فيتعيّن العمل بمقتضاه إن علم صدق المخبّر بالثبوت، ولا يحتاج في العمل به إلى الاستفسار عن وجه ثبوته، اللهم إلا إذا كان من محل لا قاضي فيه فلا ينبغي الإسراع بالإفطار بمجرد ذلك الإعلان بالتلغراف حتى يتبيّن الوجه الذي ثبت به الشهر وقد نزّل الفقهاء التلغراف منزلة النار التي يوقدها القبائل للإعلام بثبوت الشهر، فيعملون بمشاهدتهم لها في الصوم والإفطار لتحققهم فإنها لا تشعل في ليلتي شهر رمضان وشوال إلا بعد ثبوتها للموقد الأول وقد فصل بعضهم بين الإخبار بالثبوت من الأراضي البعيدة وبين غيرها ولا يحتاج بعد إلى الكشف عن وجه الثبوت أبعدل واحد على مذهب المخالف أو على الحساب إلا إذا  ثبت تهاون المبرق بالتلغراف حيث يعمل بالحساب ونحوه فلا يعمل بإعلامه في الإفطار ويتعين التربص إلى أن يتضح الأمر في وسط النهار والعمل حينئذ على ما يثبت في ذلك ثم إن الخبر الواصل بالتلغراف ومثله التلفون وكل آلة تبلغ الصوت البعيد كالراديو ، فإن الصوم و الإفطار متعين لمن بلغهم ذلك ولمن وصلهم العمل بما عملوا به سألوا عن وجه الثبوت أ ولم يسألوا لأن تحقق صيام المسلمين وإفطارهم كاف في ثبوت ذلك لمن جاورهم أو بلغه خبرهم لأن الأمة لا تجتمع على ضلال إلا إذا كانوا ناقصي الدين و تحقق تهاونهم في مثل ذلك ممن لا يوافقهم عليه أحد من  المسلمين وقد علمت الخلاف في التعميم بالإخبار بما ذكر ، فأما إعلام الشهود برؤيتهم للهلال فهو شهادة ، وأما إعلام القاضي ومن  قام مقامه بذلك فهو خبر منهم بما ثبت لديه وأنت خبير بالمسائل التي يتعين فيها عدالة الشاهد والمخبر مع العدد الذي يقوم مقام العدلين في المحل الذي يقع فيه الإعتناء بالهلال وبين المتساهلين فيه وقد أشرنا آنفا إلى حكم ذلك ، فأما العدالة المشترطة في هذا الزمان فإن عدول كل زمان بحسب أهله، وقد بين لنا ذلك رسول الله e فقال: << يحمل هذا الدين من كل خلف عدوله >> فكل خلف فيه عدول ، أما العدل المبرز المشروط فيه ديانة عمر بن الخطاب أو عمر بن عبد العزيز فهو كعنقاء مغرب في زماننا أو مثل بين ..... الأنوف عند من يتتبع سقطات الشخص ويتتبع العورات، وأما عند المحسنين الظن بعباد الله فالناس عندهم عدول خصوصا طلبة العلم الحاملين للشريعة الدافعين عن حماها فينفون عن الدين تحريف الضالين وعمل المبطلين كما شهد لهم بذلك الحديث والعمل لهم عندنا في تعريف العدل على ذلك إلا إذا طرأ عليه ما يرفعها عنه مما يوجب القدح فيه وقد زاد توضيحا بتعريف العدل الشيخ خليل فقال :<< العدل حرّ مسلم عاقل بالغ بلا فسق وحجر وبدعة وإن تأوّل كخارجي وقدري لم يباشر كبيرة >> ، وفي التحفة :

والعدل من يجتنب الكبائر      ويتقي في الغالب الصغائر

                وما أبيّ وهو في العــيان       يقدح في مروءة الإنســـان

وهذا مما لا يخفى عنك وقد امتحن الحق العباد في كل زمان باختلاط العدل بغيره فتظاهر بهذا المنصب من أحرز على شهادة تقضي بتصدّره في خطّة العدول في مدارس التعليم وليسوا بعدول وأخّر عن هذا المنصب مستحقه بالتبريز في منصب التقوى فسرت روح الكلمة لغيره وهو في استخفاء منه بتنزهه عن هذه الخطة وقد كان الشيخ t لا يرضى من أصحابه والإنخراط في سلكها ثم أنه لا ينبغي سوء الظن في كل من أحرز التصدر لهذه الخطة إلى أن ندّعي أنه غير عدل لأن طلبة العلم كلّهم عدول ولكن الأسف كل الأسف تصدر بعض الملحدين في هذا المنصب مما لا يعرفون ما هم فيه وقد قال بعض علمائنا :<< إن المعلمين لا يتقنون إلا باب الحكاية يعني إملاء ما يحفظون وعدولنا لا يعرفون إلا باب العلامة يعني إتقان شكل إمضائهم >> وهذا غلو كبير في ذمّ عدول الوقت على الإطلاق وبعد كتبي لما تقدم سنح لي بتعضيده بما تكمل به الفائدة وفيه تبيين الحكم الشرعي في هذه        مع أمور زائدة مما حرره في نحو الموضوع  مجيزنا قاضي الجماعة الفاسية أبو الطيب الشيخ عبد الله ابن خضراء السلاوي رحمه الله في تأليف يقول منه ما نصّه :<< إعلم أن الشارع إنما اعتبر العدد عند الغيم وعدل على الرؤية عند عدمه فعن عائشةََََََََ رضي الله عنها كان صلى الله عليه وسلم:{ يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظّه من غيره ثم يصوم لرؤية رمضان فإذا غم عليه عدّ ثلاثين يوم ثم صام} رواه أبو داوود وقال صلى الله عليه وسلم .<< إذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فافطروا فإن غم عليكم فاقدروا له >> رواه مسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما فهذا اللفظ من جملة ألفاظ وهو فيه وفي البخاري بنحوه قال الإمام المازري في (شرح مسلم) :[ حمل جمهور الفقهاء قوله u أقدروا له على أن المراد كمال العدة ثلاثين كما فسّره في حديث آخر] أي كحديث عائشة المتقدم ورواية لمسلم عن ابن عمر فاقدروا له ثلاثين وحديث ابي هريرة فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين يوم وفي رواية فعدوا ثلاثين رواهما مسلم وله وللبخاري عن ابي هريرة فأكملوا عدة شعبان ثلاثين وخير ما فسّرته بالوارد ونقل المازري عن الجمهور أنه لا يجوز أن يكون المراد بقوله أقدروا له حساب المنجمين لأن النّاس لو كلّفوا به لضاق عليهم لأنه لا يعرفه إلا أفراد والشارع إنما يكلف الناس بما يعرفه جماهيرهم قال[ ولا حجة في قوله تعالى :( وبالنجم هم يهتدون) لأنها محمولة عند الجمهور على الاهتداء في السير في البر والبحر] ويأتي مزيد كلام في هذا أن شاء الله وليس المراد بقولهe إذا رأيتموه رؤية جميع الناس بحيث يحتاج كل فرد فرد إلى  رؤيته بل المراد الرؤية الآتي بيانها وأما قوله تعالى:( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) فقد فسّر فيه شهد بحضر كما عند الجلال وغيره فليس معنى شهد هنا خصوص شاهد وعاين ورأى وأبصر ونقل القرافي في ( الفروق ):[ إن شهد لها ثلاث معان شهد بمعنى حضر ومنه شهدنا صلاة العيد وشهد بدرا وشهد بمعنى أخبر ومنه شهد عند الحاكم فأخبره بما يعلمه وشهد بمنى علم ومنه قوله تعالى :( والله على كل شيء شهيد)            أي عليم وأنها في آية الصيام بمعنى حضر وإن تقدير الآية فمن حضر منكم المصر في الشهر فليصمه أي حاضرا مقيما احترازا من المسافر فإنه لا يلزمه الصوم ] ثم إن الرؤية عامة وخاصة فالعامة هي التي تكون بالاستفاضة والخاصة هي التي تكون بشهادة عدلين فأكثر ولم يبلغوا المستفيضة أما الاستفاضة فهي الخبر المستفيض المحصل للعلم أو الظن القريب منه وإن لم يبلغوا عدد التواتر هذا تفسير ابن عبد السلام والشيخ خليل في (التوضيح ) والذي لابن عبد الحكم أنها الخبر الحاصل ممن لا يمكن تواطئهم على باطل كمه نقله عنهم ابن يونس وهذا هو التواتر المحصل للعلم واقتصر عليه ابن عرفه والأبي و         فهذا التفسير أخص والأول أعم منه وانظر حاشية الشيخ الرهوني وأما العدلان فالمراد بالعدالة فيهما عدالة الشهادة إذ هي المرادة عند الإطلاق وقد روى أبو داود والنسائي أن النبي e قال { إن شهد عدلان فصوموا وأفطروا وانسكوا } وقال الشيخ الشعراني في كتاب ( كشف الغمة ) [ وكان e { صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته وانسكوا لها فإن غم عليكم فأتموا ثلاثين وإن شهد شاهدان مسلمان - وفي رواية شاهدا عدل – فصوموا وافطروا }] ويلزم الصوم برؤية العدلين في الغيم مطلقا وفي الصحو في غير المصر الكبير اتفاقا وعلى المشهور في الصحو في المصر الكبير قال في ( المختصر ) [ يثبت رمضان بكمال شعبان أو برؤية عدلين ولو بصحو بمصر فإن لم ير بعد ثلاثين صحوا كذّبا أو مستفيضة رغم أن نقل بهما عنهما وحصل للشيخ بنّاني إن صور النقل ست قال لأنه إما عن رؤية العدلين أو المستفيضة أو الحكم والناقل في الثلاث أما العدلان أو المستفيضة وكلها تعم وشملها كلام المؤلف لكن بشرط عدم البعد جدا كخراسان والأندلس في الجميع كما لأبي عمر أنظر ( الحطاب ) فلا عبرة باختلاف المطالع في بلاد النقل عند عدم البعد جدا وأعتبره الشافعية ويكفي نقل العدل الواحد ثبوته عند الحاكم أو رؤية المستفيضة كما قال ابن ميسر وهو المعوّل عليه ، ولا يكفي نقل الواحد مجرد رؤية العدلين إلا أن يرسل ليكشف الخبر فيكون كالوكيل سماعه بمنزلة سماع المرسلين له فيجب عليهم الصوم ، وفي مقدمات ابن رشد ما نصه :<< فصيام رمضان يجب بأحد خمسة أشياء إما أن يرى هلاله وإما أن يخبره الإمام أي الحاكم أنه قد ثبت رؤيته عنده وإما أن يخبره العدل عنه  بذلك أو عن الناس بأنه رأوه  لرؤية عامة وكذا إن أخبره أن أهل بلد كذا صاموا يوم كذا برؤية عامة أو بثبوت رؤية عند قاضيهم وجب عليه بذلك قضاء ذلك اليوم ، وإما أن يخبره شاهدان عدلان أنهما قد رأياه ، وإما أن يخبره بذلك شاهد واحد عدل في موضع ليس فيه إمام أي قاض يتفقد أمر الهلال يعني الإهتيبال به>> وهذا الأخير هو قول خليل لا بمنفرد إلا كأهله ومن لا اعتناء لهم بأمره وقال ابن الماجشون يثبت بالمنفرد أي في محل الإعتناء وقال ابن مسلمة يثبت بشهادة رجل وإمرأتين وقال أشهب بشهادة رجل وامرأة قال في( التوضيح ):<< وفيها بعد والمشهور ما في مختصره من اشتراط العدلين في الرؤية الخاصة بمحل الاعتناء ويقوم مقامها اثنا عشر من اللفيف على ما به العمل من قبول اللفيف في جميع الأمور لا في خصوص المال خلا فا لما ذكره الجلالي ويقوم مقام العدلين أيضا عدل واحد وستة من اللفيف كما في( شرح العمليات) وغيرها وبه الفتوى والقضاء وظهر أنه أيضا  ليس من الطرق الشرعية حساب المنجمين>> وقد تقدم كلام المازري وفال النووي << عدم البناء على حساب المنجمين لأنه حدس وتخمين وإنما يعتبر منه ما تعرف به القبلة و الوقت >>، وفي( المختصر) لا بمنجم أي لا يثبت رمضان بقوله لا في حق نفسه ولا في حق غيره ولو كأهله ومن لا اعتناء لهم بأمره أنظر شروحه وحواشيه وفي ( الحطاب ) ما نصه:<< لو شهد عدلان برؤية الهلال وقال أهل الحساب أنه لا تمكن رؤيته قطعا فالذي يظهر من كلام أصحابنا أنه لا يلتفت لقول أهل الحساب وقال السبكي وغيره من الشافعية انه لا تقبل الشهادة لأن الحساب أمر قطعي والشهادة ظنية والظن لا يعارض القطع ونازع في       ذلك بعض الشافعية والله أعلم >> اه ما في (الحطاب ) ، قلت والسبكي شافعي كما علمت وقد ردّ عليه جماعة من متأخري أهل مذهبه ، ففي فتاوى الرملي الشافعي أنه سئل عن قول السبكي [ لو شهدت بينة رؤية الهلال ليلة الثلاثين من الشهر وقال الحساب بعدم إمكان الرؤية تلك الليلة عمل بقول أهل الحساب، لأن الحساب قطعي والشهادة ظنية، وأطال الكلام في ذلك فهل يعمل بما قاله أم لا؟ وفيما إذا رأي الهلال أي القمر نهارا قبل طلوع الشمس يوم التاسع والعشرين من الشهر وشهدت بينة برؤية هلال رمضان ليلة الثلاثين من شعبان هل تقبل الشهادة أم لا؟ لأن الهلال إذا كان الشهر كاملا يغيب ليلتين أو ناقصا يغيب ليلة، وغاب الهلال الليلة الثالثة قبل دخول وقت العشاء، لأنه e كان يصلي العشاء لسقوط القمر لثالثة هل يعمل بالشهادة أم لا؟] فأجاب :<< بأن المعمول به في المسائل الثلاث ما شهدت به البينة لأن الشهادة نزّلها الشارع منزلة اليقين، وما قاله السبكي مردود ردّه عليه جماعة من المتأخرين، وليس في العمل بالبينة مخالفة لصلاته e ووجه ما قلناه أن الشارع لم يعتمد الحساب بل ألغاه بالكلية بقوله{ نحن أمية لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا}، وقال ابن دقيق العيد{ الحساب لا يجوز الاعتماد عليه في الصيام}، والاحتمالات التي ذكرها السبكي بقوله [ولأن الشاهد قد يشتبه] لا أثر لها شرعا لإمكان وجودها في غيرها من الشهادات >> من الفتاوى المكورة بلفظها، اه من التوليف المذكور. 

قلت وما بحثوا به مع الإمام السبكي في كون حساب المنجمين حدس وتخمين وليس بأمر قطعي غير مقبول لكون الحساب ليس من الأمور التي لا ينبغي لمن لا يتقنها أن ينفيها ولقد كاد أن يكون البرهان على قطعية الحساب في جل مسائله من قبيل المحسوس لدى علماء الهيئة وغيرهم وقد قال الغزالي في( تهافت الفلاسفة )  ما معناه من ظن أن الرد عليهم في ما به الأدلة لديهم من الدين فقد جنى على الدين ما ليس منه والذي يتعين به من البحث في قول من اعتمد الحساب في مثل ذلك هو ما ذكر في الجواب أخيرا من قوله e<< نحن أمة أمّية لا نكتب ولا نحسب>> ولا  ينافي هذا الحديث كون بعض الصحابة يكتبون ويحسبون وهم من أمته u لأن المدار على الغالب من هذه الأمة وهو الأمية وإلا فالقرءان قد اشتمل على قضايا حسابية من جمع وطرح وعدد مثل قوله تعالى :( ولبثوا  في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا ) فهذا عدد مجموع وقوله تعالى ( فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما ) وهذا من قبيل الطرح ، ثم نسب الحق لأمته أهم يحسبون فقال في آية أخرى ( كألف سنة ) ولعل المراد أن أمته لا تتوغّل في ذلك أولا تعتمد على ذلك بالحكم الشرعي أو المراد بالأمة نفسه e فهو لا يكتب ولا يحسب معجزة في حقه و منقصة في غيره إلا في حق من اختاره الله وليا فإنه ما اتخذ الله وليا جاهلا إلا وعلّمه كالعارف بالله سيدي علي الخوّاص والقطب سيدي عبد العزيز الدباغ  والعارف سيدي عبد الله بن أحمد معن وشيخنا ولي الله سيدي إدريس عمور فإني رأيته يقرأ ولا يكتب وقد قرأ معنا رسالة( العضد في الوضع والسلم ) و ( الألفية ) مع كونه لم يتعاط تعلم ذلك ألا بعد مشيبه وما قرأ إلا قليلا ونلنا منه خيرا جزيلا وأمثاله من العارفين بالله كثيرون t و عنهم ممن اجتمعنا بهم أو سمعنا بهم ثم إن ما ذكرناه  في كون القواعد الحسابية قطعية ولكن لا عمل عليها في إثبات شهر رمضان وشوال هو الذي يحكم به النقل وقد استدللنا على ذلك بما تقدم وهو واضح ولكن لزيادة الفائدة نقول قد سئل العلامة عليش المصري رحمه الله كما في( نوازله) عن شهادة عدلين برؤية الهلال مع قول أهل الحساب أنه لا تمكن رؤيته قطعا فهل يعمل بها ويطرح كلام أهل الحساب أو لا؟ ، فأجاب :<< يعمل بشهادة العدلين ويطرح كلام أهل الحساب  كما قاله العلامة الحطاب ونصه لو شهد عدلان برؤية الهلال وقال أهل الحساب أنه لا تمكن رؤيته قطعا فالذي يظهر من كلام أصحابنا أنه لا يلتفت لقول أهل الحساب وقال السبكي وغيره من الشافعية أنه لا تقبل الشهادة لان الحساب أمر قطعي والشهادة ظنية والظن لا يعارض القطع ونازع في ذلك بعض الشافعية والله أعلم>>  اه . وقد سئل الرملي الشافعي الكبير عن قول ابن السبكي المذكور  فأجاب: << بأنه مردود رده عليه جماعة من المتأخرين ويؤيد المنازع فرق القرافي المتقدم و سئل أيضا عن الشهادة برؤية الهلال ليلة ثلاثين وقد ثبتت برؤيته قبل طلوع الشمس في اليوم التاسع والعشرين الذي تليه تلك الليلة فهل يعمل بتلك الشهادة أم لا ؟ لما اشتهر أنه إن كان الشهر ناقصا لم يرى القمر يوما وإن كان تاما لم يرى يومي ؟ فأجاب بأنه يعمل بتلك الشهادة ولا عبرة بما اشتهر لأن الشارع عوّل على الرؤية ونزلها منزلة اليقين وسئل أيضا عن مغيب القمر ثالث ليلة من رؤيته قبل مغيب الشفق فهل هو قادح في الرؤية لأنه e كان يصلي العشاء في الليلة الثالثة  لسقوط القمر فأجاب بأنه لا يقدح فيها ويعمل بها وليس في العمل بها مخالفة لما ذكر محمله على الغالب والشارع عول على الرؤية ونزلها منزلة اليقين وألغى الحساب بالكلية بقوله e:{ نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا} والله أعلم >>اه . ثم نأتي هنا بما ذكرناه للقاضي بن خضراء في التوليف المشار له ا تماما للفائدة ونصه :<< وأعلم أن ارتقاب الهلال وتعاهده فرض كفاية لأجل المؤقتات الشرعية كرمضان كما في شرح المجموع وغيره ، وأما الرفع فواجب على العدلين إذا لم يره غيرهما ويكون التأخير جرحة تسقط بها الشهادة وفي محض حق الله تجب المبادرة>> . وواجب أيضا على العدل الواحد والمرجو قال الحطاب (المراد بالمرجو من يرتجى قبول شهادته بأن يأتي من يزكيه قال ابن عرفة الشيخ عن أشهب [يجب رفع المرجو ولو علم جرحة نفسه]اه. ونقله ابن يونس ونقله ابن ناجي في (شرح المدونة ) وقال أنه ظاهر (المدونة) ونصه [وظاهر الكتاب يرفع للإمام ولو علم من نفسه أنه ليس من أهل القبول وهو كذلك قاله أشهب في المجموعة نقله ابن يونس] اه،  ولم أر من ذكر في  هذا خلافا >> اه كلام الحطاب ، وأما من ليس عدلا ولا مرجوا فقال ابن عرفة: << إن لم يكن عدلا ولا مرجوا ففي استحباب رفعه وتركه نقلا اللخمي عن أشهب والقاضي ونقل ابن بشير بدل استحباب وجوبه لا أعرفه>>اه وقال الشيخ خليل في (المختصر) وعلى عدل أو مرجو رفع رؤيته والمختار وغيرهما قال الحطاب [ ظاهر كلام المصنف أن اللخمي  اختار القول بالاستحباب بالوجوب والذي في كلامه في( التبصرة) إنما هو اختار القول بالاستحباب وقد نبه الشارح على هذا في الوسط والله أعلم] اه  قال الزرقاني: << فعلى في كلام المصنف إما مشتركة بين معنيين الوجوب والندب وإما مستعملة في حقيقتها في الأولين ومجازها في الثالث وبهذا أندفع الاعتراض على المصنف فإن اللخمي إنما قال بالندب في غيرهما لا بالوجوب كما هو ظاهره>>  اه  ووجه اللخمي ما اختاره بأنه قد يجتمع منهم ما يقع بقولهم العلم قال:<< وأيضا فإن ذلك يؤدي إلى ظهور الشهادة لان كثيرا من الناس يقف عن الشهادة على رؤية الهلال خوف أن يؤدي لإنفراده >>، قال المواق :<< وهذا كما نصوا على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض برأسه لا يسقطه عدم تأمر المنكر عليه، إلا أن ترى أن إنكار القلب فرض وهو لا أثر له في دفع المنكر >>، وقد اقتصر غير واحد من المحققين على توجيه ما اختاره اللخمي، فإنه فتح لباب الشهادة وأنت خبير بأن اثني عشر من اللفيف بمنزلة عدلين وكذا عدل وستة من اللفيف، وقد أطلنا لك بالنقول هنا وإن كنت على بصيرة منها لأن المقام يحتاج لبسط مقال فيه، مع تأييده بكلام الغير تطمينا لصدر المستفيد وبالله التوفيق .

السؤال السادس والعشرون: إذا كان لا فرق بين مصلح الجلد ودابغه فالأمر ظاهر، أما إذا وجد فرق بينهما فنرجو بيان ذلك، على أن الزق لا يتم صلاحيته لجعل الماء فيه إلا بعد جعل القطران فيه، خصوصا وهو مستثنى من عموم الطاهرات وليست أواني البادية بأولى منه في العفو، إذ العلة وجود المشقة وهنا موجودة والحاجة ماسة لاستعماله .

الجواب: معلوم لديك ما هو مقرر من شهود مذهب الإمام مالك t في حكم جلد الميتة مما تعمل فيه الزكاة ومما لا تعمل فيه، فإنه غير طاهر ولو دبغ ورخّص فيه مطلقا إلا من خنزير بعد دبغه في يابس وماء ، وهو هنا غير مشترط في استعماله في الماء كونه مجعولا فيه القطران فمن لم يستعمل هذا الجلد بعد دبغه فقد جرى على القول المشهور، وإن استعمله بالشرط المذكور فقد جرى على قول أكثر أهل العلم وهو غير مشهور من المذهب، ولنقتصر في النقل هنا على قول المواق في شرحه لـ(المختصر) فإنه قال:<< لدى قوله وجلد ولو دبغ ابن رشد أكثر أهل العلم يقولون أن جلد الميتة يطهره الدباغ فيباع ويصلّى عليه، وهو قول ابن وهب وفي الصلاة من (المدونة) دليل هذا القول، والمشهور المعلوم من قول ذلك إن جلد الميتة لا يطهره الدباغ، ولا يجوز بيعه وإن دبغ ولا يصلى عليه ورخّص فيه مطلقا إلا من خنزير بعد دبغه في يابس وماء ، ابن رشد المشهور أن جلد الميتة لا يطهره الدباغ إلا للمنافع دون الصلاة وفي هذه المسألة خمسة أقوال الآتي منها على مذهب مالك ما في (المدونة) أن الذي يطهر بذلك جميع الجلود إلا جلود الدواب وجلود الخنزير ، من سماع أشهب من الضحايا وإذا بلغ جلد الميتة فقال ابن عرفة[ المشهور أنه يستعمل في اليابسات والماء فقط]>>، ولم يتعرض هنا أحد من شراح (المختصر) للتفرقة بين ما دبغه المسلم وبين غيره، بل حملوا الجلود في دبغها على مصنوعات الكافر والأصل فيها الطهارة، فمصلح الجلد سواء كان مسلما أو كافرا مثل  دابغه سواء كان مسلما أو كافرا لا على القول المشهور ولا على مقابله، أما أواني البادية فهي محمولة على الطهارة وينبغي غسلها عند استعمالها لا جديدة ولا مستعملة ، خشية أن تكون استعملت في النجاسة وأنت تعلم أن الاحتمال لا يطرح به الطاهر والمحمول على الطهارة إلا من خشية الورع وحكم التورع عن الشيء يرجع فيه لأهل العلم الباطني لا لأهل العلم الظاهري، فإباحة استعماله على قول الأخيرين مطلقة من غير غسل، وجل علماء الفقه لا يعللون الأحكام إلا ما كان جاريا على القياس فربما التمسوا له علة تبرد غلة الطالب لسر ما قالوه، وعليه فالمشقة والحاجة من قبيل الضرورات تبيح المحظورات ، وقد علمت أنه لا فرق بسين المصلح والدابغ طبق ما قررناه والله الموفق .

السؤال السابع والعشرون: ما عدد التراويح عند علماء الأمصار؟ وهل حديث الصديقية رضي الله عنها { ما زاد رسول الله e في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة } دليل على أنها إحدى عشرة ركعة ؟ وإذا سلّمنا ذلك فما دليل العمل الجاري بالعشرين ؟ على أن الحديث حمل على صلاة مخصوصة كان يصلّيها e بعد النوم واختلف في كيفيتها وعددها .

 الجواب: قد علمت ما قاله شراح المختصر لدى قوله [ وتراويح وانفراد فيها إن لم تعطل المساجد والختم فيها وسورة تجزأ ثلاث وعشرون ]، وقد صدر بهذا القول الذي يقول بأنها ثلاث وعشرون بإدخال الشفع و الوتر في هذا العدد وهو ما عليه العمل عندنا قال العلامة العدوي هنا في تنبيه خاص[ الذي صدر عليه عمل الناس واستمر إلى زماننا في سائر الأمصار هو ما جمع عمر ابن الخطاب عليه الناس  وهو ثلاث وعشرون بالشفع و الوتر] اه أما حديث الصديقية رضي الله عنها فهو كما في القسطلاني في تخريج أحاديث الرافعي الكبير بلفظ[ لم يكن رسول الله e يوتر بأكثر من ثلاث عشرة أبو داوود بلفظ كان يوتر بأربع وثلاث وست وثلاث وثمان وثلاث وعشرة وثلاث ولم يكن يوتر بأنقص من سبع ولا بأكثر من ثلاث عشرة ] اه وفي (الرسالة) لابن أبي زيد القيرواني رحمه الله [وكان السلف الصالح يقومون فيه في المساجد بعشرين ركعة ثم يوترون بثلاث إلى أن قال وقالت عائشة رضي الله عنها ما زاد رسول الله e في رمضان ولا في غيره على اثنتي عشرة ركعة بعدها الوتر] ، قال الشيخ زروق عليها بعد كلام نقلا عن ابن حبيب[ أمر عمر t بإحدى عشرة ركعة ثم رجع إلى ثلاث و عشرين] ، قال ابن ناجي على قوله<< وقالت عائشة رضي الله عنها ما زاد رسول الله e في رمضان ولا في غيره على اثنتي عشرة ركعة بعدها الوتر ما نصه قال بعض الشيوخ تريد في الأغلب وإلا فقد روي عنها أنه أوتر بخمس عشرة وروي عن غيرها من أزواجه أنه رجع إلى تسع ثم إلى سبع وليس اختلافا كما ظنه بعضهم وإنما هو اختلاف في حال فإنه كان عليه الصلاة والسلام أول ما يبدأ به إذا دخل بيته بعد العشاء بتحية البيت وإذا قام يتهجد يفتتح ورده بركعتين لينشط وإذا خرج لصلاة الصبح ركع ركعتي الفجر فتارة عدت جميع ما يفعله في ليلة وذلك سبع عشرة ركعة وتارة أسقطت ركعتي الفجر لأنهما ليستا من الليل فعدت خمسة عشرة وتارة أسقطت تحية المسجد فعدت ثلاث عشرة وتارة أسقطت الركعتين الخفيفتين فعدت إحدى عشرة ركعة قلت وهذا أحسن في الفقه لأن الفقه جمع أحاديث الباب على حسب الاستطاعة على أن ما ذكر لا يتناول ما نقل الشيخ عن عائشة رضي الله عنها>> اه فاتضح لديك ما عليه الأمصار وإن عائشة رضي الله عنها  قد اختلفت  عنها الروايات في تحديد العدد وقي يصح أن يكون قولها ما زاد على إحدى عشرة ركعة دليلا على حصر عدد الركعات في الإحدى عشرة  وعلى هذا العدد كان حمل عمر t الناس عليه ثم رجع عنه إلى الثلاث والعشرين كما تقدمت الإشارة إليه ، قال الباجي [ لعل عمر أخذ ذلك يعني أمر الناس بالإحدى عشرة ركعة من صلاة النبي e ففي حديث عائشة أنها سئلت عن صلاته في رمضان فقالت ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة ] فقد استدل الباجي هنا على فعل عمر t بالحديث الذي سقتموه في السؤال وقد علمت دليل ما عليه عمل الأمصار وهو رجوع عمر t  إليه هو وعمل السلف الصالح كما في نص (الرسالة) المتقدم بحمل الحديث على صلاة مخصوصة مع تصريح الصديقية رضي الله عنها بعدم زيادة رسول الله e في رمضان ولا في غيره على العدد الذي ذكرته فيه نظر سيما وقد وردت روايات عنها بالزيادة والنقصان ولا يبعد أن يقال أن النبي e لم يزد ولم ينقص عن العدد الذي ذكرته في تراويحه عندها في بيتها خاصة لا في رمضان ولا في غيره في غالب أحواله ونزلت ما زاده أو نقصه منزلة الأقل في الأكثر فلم تراعه أو هو ما كان عليه عمله عندها في آخر عمره ، كما وردت أيضا روايات بالزيادة على العدد المذكور وبأقل منه في روايات أخرى ، كما ورد ذلك أيضا عن غيرها بالزيادة إلى العشرين وهو الذي رجع إليه عمر t وبالله التوفيق .

السؤال الثامن والعشرون : ماذا يصنع السائل في موضع كثر فيه الظلم وأرتفع فيه الباطل على الحق وأوذي فيه الصادق وأستؤمن فيه الخائن واتضع فيه العلم وارتفع فيه الجهل وسكت العالم على المنكر وإن كان ببينة خوفا على نفسه أو مجارات لجلسائه ولم يهتم لداعية الأمر وأصبح المكس داخلا في كل مبيعاته والكلمة العليا فيه لغير أهل القبلة وأهلها لا حل لهم ولا ربط حتى أن من أراد أن يتمعش بشيء كاحتطاب مثلا لا بد أن يكون سيره فيه لا على مراد الشرع  ولا على مراده بل على مراد غيره فهل والحالة هذه تجوز الإقامة في هذا الموضع أو الواجب عليه الانتقال منه إلى محل أخف من هذا إن لم يسلم مما ذكر وأين هو ودائرة الكفر اتسع نطاقها على وجه البسيطة ، وهل يجوز له الدخول في الأسواق والحال كما ذكر ويصفف معهم بالأخذ والعطاء مطلقا أو إلا إن اضطر، وهل يجوز له أخذ العلم من علماء هذا الموضع وحالهم كما ذكر  ؟

الجواب :  إن هذا السؤال لابد في الجواب عنه من مراعاة أحوال السائل وما يقصده من الهجرة أ والإقامة في المحل الذي هو به موطنا له أ وطارئا عليه له فيه أهل وأولاد وأقارب أولا، مع ما يتعلق به شرعيا أو قانونيا حتى لا يلقي بنفسه في التهلكة أو تهلكة أحد من حاشيته بضياع أنفسهم وأموالهم وتتبع الكلام في الحكم المنوط بما تتفرع إليه هذه النوازل يحتاج فيه إلى البسط الذي وقع فيه التأليف من الغير بالخصوص ونحن نختصر القول هنا خشية الملل مع كون الحكم المنوط بذلك كله لا يخفى عنكم بمراجعة مظانه فنكون بجلب ذلك قد أطلنا بمعلوم طبق ما وقع لنا في ما نقلناه في ما سلف من الأجوبة وما مقصودنا  من ذلك  إلا تعضيد ما قلناه لكون الحكم المنوط بذلك مرجعه النقل لا العقل فلنجعل لنا هذا اعتذارا مقبولا ولنقتصر هنا على ما أظن أن فيه فائدة ، فقد ورد في الحديث << سيأتي على الناس زمان القابض فيه على دينه كالقابض على الجمر>>، فإن لم يكن هو هذا الزمان فنحن في القريب منه، وإنه ليضيق صدري ولا ينطلق لساني في الإفصاح عما انطوى عليه مما يتعيّن كتمه ولا يخفى على ذوي البصائر علمه، فلم يبق إلا الزهد في الدنيا بلزوم فناء البيت ويحق للحي أن يقول إذا مرّ  بميت يا ليتني كنت مكانك ، حيث تبدلت الناس ولم يبق إلا النسناس في أيحاش، وقد انتشر في جل بلاد الإسلام ما ذكرته في البدو والحضر ، وإذا قلنا بالهجرة المتعينة على من تجب شرعا فلا أعرف محلا ينتقل إليه سالما مما ذكر في السؤال فما على العاقل إلا أن يسكن تحت مجاري الأقدار وليحتط لنفسه في معاملة الناس ويحط حمله في باب مزاحمتهم فيما يتنافسون في اكتسابه من الدنيا ، وليقنع بالقليل وليحذر من إلزام نفسه بما لا تطيقه من كل شيء فيكون سببا في هلاك نفسه، أما الانتقال إلى موضع أخف من الموضع الذي هو فيه فإنه قلما يتأتى للشخص الوطني في انتقاله عن وطنه اطمئنان صدره بتيسير أموره، إلا إذا كان على يقين من قوله تعالى( ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة) فليس كلامنا معه، لأنه عمل على مقتضى إيمانه فيكون صاحب حال وكذلك من عمل بعمله ، وقد تجب الإقامة في الموضع المشتمل على ذلك في حق بعض الناس الذين يقيمهم الحق فيه لينفع عبيده، أو من تلحقه مضرة دينية أو دنيوية لا يقدر على الصبر معها، فنسأل الله تعالى أن لا يمتحننا بما لا قدرة لنا على تحمّله، ولقد جلت في بعض الأقطار الإسلامية بالروم وخالطت أهلها فتحقق لديّ أن المهاجر لأي منها دائما في تنغيص لا تقوى عليه بشريته، وقلما هدأت روعته ولم ينقطع حبل تشوّفه لرجوعه لوطنه وهو إما عالة الناس أو يتملّق عليهم بما يستبدل الأدنى بالذي هو خير، ولئن وجد في نفسه اطمئنانا فلا يجد من أهله ذلك أو على الأقل من واحد منهم، ولقد شاهدت من أحوال كثير من المجاورين بالحرمين الشريفين على خطر فيما هم متشوفون إليه ولا تسأل عن أحوال عائلتهم وأولادهم فهم وإن كانوا في الدوحة العليا من القربة، فجلّهم يحتاج لإصلاح نفسه وإن أصلحها فلا يقدر على إصلاح أنفس متعلّقاته من أولاد وغيرهم، وجلهم عالة على الناس وإني استغفر الله من قولي هذا الذي يكاد أن يشم منه المزكوم رائحة الانتقاد على المجاورة، مع أني أرجو الله أن لا يحرمنا منها وإنما قصدي النصح للمستنصحين حتى لا أكون من الغاوين للمسترشدين، ولربما يظهر للمجرّب صدق نصيحتي في رؤيته لذوي الأطماع هناك والعاملين لزوّار تلك الأماكن المباركة بما يؤدي إلى انتهاك الحرم أي انتهاك، مع تأسف بعض المحرومين من الإقامة بتشوفهم للرجوع لأوطانهم التي صارت الأرض فيها غير الأرض المعهودة لديهم، فهذه أشرف البقاع التي يتمنى كل مؤمن حبها وحب استيطانها حتى قال فيها بعض العلماء هي الوطن التي يقول فيها e { حب الوطن من الإيمان}، قد يندم على هجر أوطانه باستيطانها ونعوذ بالله منها حالة، وكان في سعة أولا من مفارقة بلده والانتقال عنها وليس هذا في حق كل أحد، فأما من أنس من نفسه الصبر الجميل فهو له بكل خير كفيل طبق ما أشرنا إليه، فلا ينبغي في هذا الزمان المتقدة فيه نيران الفتن والمحن أن يهجر وطنه إلا إذا كان غير آمن فيه على نفسه أو ماله ونحو ذلك، أما إذا كان في إقامته مصلحة للمسلمين فيتعيّن عليه المقام، وقد قال العلاّمة ابن حجر في فتاويه لدى سؤال عن قول الرسول e { أنا بريء من مسلم مقيم بين أظهر المشركين ــ قالوا لم ؟ قال ــ لا تتراءى  نارهما } << فإن قلت قد ينافيه  قول الفقهاء تجوز الإقامة بينهم لمن أمن على نفسه، قلت لا ينافيه لأنهم شرطوا أمنه على إظهار دينه وإذا أمن ذلك كان في إقامته بينهم مصلحة للمسلمين راجحة على خروجه من بينهم فجوّزوا له ذلك لئلا يصير محله لهجرته دار حرب، بل تجب عليه الإقامة حينئذ>>، وهذه النظرة التي صار لديها ما صير محل المهاجر دار حرب من أوسع النظرات التي تجلّى فيها الحق للعيان فكم من راجع إلى بلده بعد هجرته لم يقبل أو أوذي بما لم يفعل، وهناك أمور تضيق منها الصد\ور وفي شرحها عظيم الشرور، أما السؤال عن دخول الأسواق والحال ما ذكر في السؤال ما على المؤمن إلا أن يحتاط في معاملاته ويكون على بصيرة من أمره، فمعرفة الأحكام المنوطة بذلك عملا بما تقرر من أنه لا يحل لامرئ   مسلم أن يقدم على أمر حتى يعلم حكم الله تعالى فيه والحلال بيّن والحرام، وأما أخذ العلم من علماء السوء فلا بأس به وقد قيل في مثلهم[ اجن الثمار وخلّ العود للنار]  وهذا إذا لم يتيسر الأخذ عن غيرهم وإلا ، فالنفع لا يكون غالبا إلا على يد العاملين وقد استفاد العارفون من إبليس ما لم يستفيدوه من غيره، ولكنهم منه على حذر ثم اعترف جل من اعترف من المعرفة بالله بأن ما استفادوه منه ممحوق البركة، وعلى كل حال فتعلم العلم أولى من الوقوف مع الجهل ولابد أن يرفع العلم صاحبه إلى مراتب ذوي الفضل، وقلّ من علم علما ولم يعمل بمقتضاه لا في العلوم الدينية ولا في العلوم الدنيوية وبالله التوفيق .

السؤال التاسع والعشرون : هل مراعاة الخلاف تكون  في جزئية من جزئيات المسائل الخلافية كالبسملة مثلا ويكون بقراءتها مراعيا للخلاف؟ أو تكون إلا بمراعاة جميع المسائل الخلافية وفيه من الحرج ما لا يخفى وإن كان شأن الورع التشمير ؟

الجواب : إن هذه المسألة التي هي مراعاة الخروج من الخلاف لم يقل بها جل علماء المذهب، وقد خالفهم المازري في البسملة في الصلاة الفريضة فقال << إن الإمام مالك يقول بكراهية البسملة فيها ويقول الشافعي ببطلان صلاة من لم يبسمل فيها، ولئن تكون صلاتي صحيحة على كلا المذهبين خير من أن تكون صحيحة على مذهب باطلة على مذهب>>، فهو يقول هنا بالخروج من الخلاف بمراعاة القولين ولكن إتيانه بالبسملة إفتيات على المشهور، فقد عمل بمكروه وإن أسر بها فقد صادم المذهب بقراءتها بكونها لم يعتقد الكراهة المشهورة ، وما أراه إلا أن اعتقد فرضيتها على قول الإمام الشافعي وإلا لم تكن صلاته صحيحة، وكأني بهذه القولة المنسوبة له في اعتذاره بالإتيان بالبسملة متقوّلة عليه، والذي عندي في هذه المسألة أنه من مجتهدي المذهب ومجتهدي الفتوى لا أنه راعى الخلاف فيها ولمقلديه في الإتيان بها ما لزمه، ولقد خالف الشيخ التجاني t الإمام مالك في كراهية البسملة فعمل على قراءتها للفضل الوارد فيها، ولم يعتقد كراهيتها حتى يحرم من ذلك الفضل ومع التزامه لها لم يثبت لدينا أنه قال بوجوبها كما يقول الإمام الشافعي، فلم يشترط قراءتها على مريديه في صلواتهم المفروضة، وقد غلط كثير من إخواننا التجانيين فظنوا أن الشيخ t يقول بوجوب قراءتها وليس الأمر كذلك، لأنه لا يقول باشتراط لزوم مذهبه على مريد طريقته، أما من يقول بالخروج من الخلاف فلا يشترط أن يكون في جميع المسائل الخلافية لأنه لم يثبت لا عن المازري ولا عن غيره اشتراط ذلك في المذهب فيما علمناه، فمراعاة المسائل الخلافية حينئذ مثل تتبع الرخص فلا يبعد أن يكون من الإفتيات في المذهب مع احتياج صاحبه إلى اتساع باع وطول إطّلاع في ما جاء في المذهب ليعمل عليه أو يلزم به غيره وذلك من الحرج في الدين وفيه ما فيه، والله يقول( ما جعل عليكم في الدين من حرج ) وهو من الشدة فيه، والنبي e يقول { إن هذا الدين يسر ولن يشاد أحد هذا الدين إلا وغلبه }، ولا معنى لدخول الورع في مثل هذه الفضيلة واله الموفق .

السؤال الثلاثون : قد تقرر أن رأيته تعالى من أكبر النعم التي لا يعادلها شيء، وقد رآه e ليلة الإسراء بعيني رأسه وعليه فكيف يتصور أن كمالا متأخرا يكون أكمل من هذا، وذلك أن النبي e ما زال يترقى وما من كمال إلا وعند الله أكمل منه بدليل قوله تعالى ( والآخرة خير لك من الأولى ) يعني واللحظة المتأخرة خير لك من اللحظة المتقدمة ، وهذا يفيد أن الحاصلة بعد لحظة الرؤية أعلى منها وهذا مشكل علينا جدا والله أعلم ؟

الجواب : قد علم أن كمالات الحق سبحانه لا حصر لها ولا يمكن لأي مخلوق كان الإحاطة بها، حتى أن سيد العالمين u الذي لم يخرج من الدنيا حتى أحاطه بكل شيء علما لم يحط علمه بذاته الحق ولا بصفاته ، لأن العلم الذي أحاط به e هو سائر العلوم الحادثة فما من علم علم إلا وأحاط به، فلم يحط أحد من العالمين بمثل ما أحاط به e ، وقد أكرمه الله برؤية الذات العلية لا على وجه الإحاطة بها وبكمالاتها وإنما كوشف له من ذات الحق وصفاته على قدر ما حملته آنيته u ، وقد أنعم عليه بذلك ليفوق غيره وتكون له المزية على غيره بهذه الرؤية الأولية في الدنيا، أما في الآخرة فإنه يكون في مقعد صدق عند الحق في حضرات قدسه منعما عليه بدوام المشاهدة لتجليات الذات بصفاتها التي لا حصر لها، فهو في الترقي الدائم في الكمالات التي لا تكيّف ولا تحد بحد، فإذا تحققت بأن اللحظة الثانية أكمل من الأولى في مشاهدة الذات العلية والصفات الكمالية لا على وجه الإحاطة دائما في كل ما تجلى له منها زال عنك الإشكال بكونه e إنما يكشف له عن ذات الحق وكمالاته بما لم يكن رآه من قبل كل لحظة تقدّمت له عما يتجلى له به في كل حين ولا حين مع الحق، وأنت على بصيرة من أن رؤيته e لربّه في الليلة المباركة قد انتهت برجوعه إلى إرشاد أمته بإخبارهم بما شاهده وما أمر به، أما في الآخرة فلا رجوع عن المشاهدة الحقية وأمته من ورائه يتمتعون برؤيته كل على قدر ما قدّر لهم من الاستفادة منه في حال ترقّيهم معه في مشاهدة الحق وما شاهد أحد الحق إلا من ورائه u فهو مرآة الحق بما لم يكن رآه من قبل ، فمشاهدته e للكمالات المدخرة مما فيه قرة عينه وأعين أمته لا زالت في الترقيات الأكملية والتجليات الأفضلية بما لم يخطر على بال ، وليس في هذا إشكال والحمد لله الكبير المتعال ، وهاهنا تنبيه منوط بقولكم [ يعني واللحظة المتأخرة ] فإني أنصح دائما لأحبابي فيما  يحصل منهم عن غير قصد في مكاتبهم لي ولا أرى ذلك مني ولا منهم نقصا في الإرشاد فإنه لا ينبغي أن يقال في حق الحق يقصد كذا بقوله كذا وإن كان الكلام غريبا لا يفهم منه إلا ذلك ولكن بساط الأدب يقصي على من عقله حادث وعلمه حادث أن لا يحكم على القديم بأن يقصد بكلامه القديم ما بلغه بأتم إدراك وأكمله ، وكل ما يفهم من كلام الحق سبحانه وإن كان مقصودا له فلا يقال فيه على سبيل الأدب يعني كذا ، مع أن التفسير الذي وقع في تفسير الآية التي ذكرتم بما ذكرتم ، إنما هو على أحد أقوال فيها والله أعلم بمراده ، وإن فهمنا ذلك منها كما فهمه غيره ولكن لا نقول فيه يعني لتكون على بصيرة من هذا ونحوه فتكون لك القدم الراسخة في بساط المعرفة بالله ، والله يزيدكم بسطة في العلم والجسم وسلامة في الإدراك والفهم وينفعنا وإياكم بالعلم آمين، ثم اعلم أيها الولي الحميم أن ما سطّرناه لكم في هذه الأجوبة أن ما كتبناه على حسب ما ظهر لنا ، ولقد أعرضنا عن الاستشهاد بكلام الغير في غالب ذلك بما لم نستعمل فيه كبير كلفة في مراجعة المظان المرجوع إليها ، وقد استفرغنا  له بعض الأوقات منت الأشغال الشاغلة للبال فجاء جل ذلك عفوا من غير تكلف في الخطاب ولا تعسف في الجواب، ولولا تحققنا بحسن ظنكم وجميل اعتقادكم في النظر لما قررناه في هذا المحل ولا في محل آخر بعين الرضى مصدقين لنا فيما قلناه من غير استثقالكم لما كررناه، وإلا لكنا سلكنا في ذلك مسلكا غير المسلك الذي سلكناه، ومقصودنا من مساعدتكم بالجواب عما اقترحتم إدخال السرور عليكم واستجلاب دعائكم الصالح ونحن وإن كانت بضاعتنا في العلم مزجاة، وما لنا عما قدّر منجاة ، فما اتكالنا إلا على فضل الله في القبول وبلوغ المنى والسول، وما توفيقي إلا بالله وحسنا الله ونعم الوكيل وهو الهادي إلى سواء السبيل .

والحمد لله أولا وآخرا وصلى الله على الفاتح الخاتم

وآله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين .